نص خطاب الرفيق المناضل أمين سر قيادة قطر العراق بمناسبة ذكرى ثورة 17-30 تموز

بسم الله الرحمن الرحيم

(ونريدُ أنْ نَمُنَّ على الذينَ أُستُضعِفوا في الأرضِ ونَجعلهم أئِمةً ونَجعلهم الوارثينَ، ونًمَكِّنَ لهم في الأرض)

صدق الله العظيم

أيتها الماجدات، أيها الأماجد، أبناءَ شعبنا العراقي العظيم

تمرُ علينا هذه الأيام الذكرى الرابعةُ والخمسون لثورة السابع عشر- الثلاثين من تموز العظيمة، التي وضعت العراقَ على طريقِ النهوضِ الشامل والتحررِ العميق، وفتحت أمامَ شعبهِ سُبلَ المستقبلِ المشرق امتداداً لتراثِ العراق وتاريخِه الحضاري المجيد، وبما يتناسب مع قدراتهِ المادية وموقعهِ الاستراتيجي وطاقاتهِ البشرية الكبرى، ويلبي طموحاتِ شعبهِ العظيم، ويعبر عن مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي ونضالهِ من أجل الحريةِ والتنميةِ والبناءِ الحضاري الزاهــر.

فنقلت الثورة العراقَ من حالٍ إلى حال، من دولةٍ ضعيفة هامشية تعاني من اختراقاتٍ أجنبية وضعفٍ أمني وتخلفٍ تنمويٍ وضعفٍ اقتصادي، إلى دولةٍ متقدمةٍ قويةٍ عزيزةٍ مهابة ذاتِ مكانةٍ مؤثرةٍ مرموقةٍ وثقلٍ إقليميٍ وعربيٍ ودوليٍ وازن.

وعلى الصعيد القومي مثّلت ثورة 17 تموز الرد العملي والحاسم على هزيمة حزيران عام 1967، ووضعت أهداف الحزب في الوحدة والحرية والاشتراكية على مسار التطبيق العملي على طريق تحقيق نهضة الأمة، فجاءَت هذهِ الثَورة الرائِدة مُبشِّرةً بانطلاقِ فجرٍ جديدٍ للعِراقِ والأُمَّةِ العرَبيَّة، مِن أجلِ الحُريَّةِ والكَرامةِ والمُستَقبلِ الَواعِدِ لبَلَدِكُم العِراق وأُمَّتِكُم العرَبيَّةِ المَجيدة.

وانطلَقَت ومُنذُ اليومِ الأوَّلِ في وَعيٍّ وادراكٍ عَميقَين لمَسؤوليَّتِها التاريخيَّةِ الوَطنيَّةِ والقَوميَّة، ووُفقِ بَرنامَجِها الاستراتيجيّ المُمتَدّ بدءاً مِن العِراق، ليَكونَ نواةً ومركزاً لإشعَاعِ الثَورةِ في كُلِّ أرجَاءِ الوطَنِ العرَبيِّ الكبيرِ.

لقد كانَت ثَورةِ السَابِعَ عشرَ مِن تَموز ثَورةِ المَلايِّينَ مِن العِراقيِّينَ، واستَطاعَت بقِيادَةِ حِزبِكُم الطَليعِيِّ الرِّسَاليّ، وبمُشَاركَةٍ جماهيريَّةٍ واسِعة، وبمُؤازَرةِ كُلِّ القِوى الوَطنيَّةِ المُخلِصَة في قُطرِنا الحبيب، أنْ تَبني عِراقاً جَديداً، حُرَّاً، مُوحَّداً، قَويَّاً، مُتَقدِماً، يُمَثِّلُ مَركزَ اشعاعٍ عَربيٍّ وإقليميٍّ ودَولي. فكانَت بحقٍّ حَداً فاصِلاً وزَمناً فارِقاً في حياةِ العِراقيِّينَ والعرَبِ.

فعبرَ مسيرتِها الكبرى، حققت الثورةُ منجزاتٍ أساسيةٍ ما تزالُ آثارُها الإنسانيةُ والماديةُ ماثلةً في عقولِ وضمائرِ العراقيين وأبناءِ الأمةِ العربية، وما تزالُ حاضرةً في الميدانِ تـُذكّرُ شعبَنا العزيز بما قدّمتهُ دولةُ العراق الوطنية في عهدِ ثورةِ السابع عشرَ من تموز المجيدة لأبنائها وللأمةِ جمعاء من رعايةٍ وإنجازات.

فعلى الصعيدِ الداخلي، كانَ في مقدمةِ أولويات حكومة الثورة، رعايةُ الإنسان وصونُ حقوقه وحمايةُ كرامته. فثبتت ركائزَ العدلِ والمساواةِ الكاملة في الحقوق والواجبات بين العراقيين بغضِ النظر عن الجنس والانتماء السياسي أو العرقي أو الديني، واهتمت بإصلاح وتطوير القوانين، وشرّعت القوانين والإجراءات الكفيلة باحترام حقوقِ المرأة العراقية وكرامتِها ومنحِها كلِ الفرص للعملِ والتعليم والارتقاء في الوظائف العمومية والمشاركة الكاملة في بناءِ البلادِ والنهوضِ بها. وسنّت قوانينَ الرعاية الاجتماعية وضمنتْ لجميع القطاعات المهنية والشعبية حريةَ تشكيلِ نقاباتِها ومنظماتِها المهنية.

وطورت مؤسساتِ الصحةِ والخدمات العلاجية المجانية، ووسعتْ قطاعَ التعليم فنفذت حملةً لمحو الأمية، وحققت مجانيةَ التعليم، وأسست الوفَ المدارس، ونشرت عشراتِ الجامعاتِ والمعاهدِ ومراكزَ البحث العلمي في العاصمة والمحافظات، وابتعثت عشراتِ الألوف من الدارسين إلى أرقى الجامعات في البلدان المتقدمة، مما خلقَ قاعدةً علميةً وتقنيةً متينة وشاملة، وأغنى البلادَ بعشرات الألوف من العلماء والباحثين ومئاتِ الألوف من الخريجين المؤهلين علمياً وعملياً. كما أولت حكومة الثورة مسألة التنمية الاقتصادية الشاملة اهتماماً فائقاً فأسست ألوفَ المشاريع في ميادين الصناعة والزراعة والري والبنية الأساسية (التحتية) فشيدت المصانعَ وشقت الجداولَ واستصلحت الأراضي وبنت السدودَ والجسورَ، ومدت ألوفَ الكيلومترات من الطرق، وأوصلت شبكاتِ الطاقة الكهربائية ومياه الشرب إلى أبعد القرى النائية في ربوع وطننا العزيز.

وأنجزت حكومة ُ الثورةِ الحلَ السلمي الديموقراطي للمسألة الكردية، ونفذت قانون الحكم الذاتي لأبناء شعبنا من القومية الكردية، وصانت الحقوق الثقافية والدينية والقومية لأبناء شعبنا من الأقليات القومية والدينية كالتركمان والسريان والصابئة وغيرهم. وقامت بتحديثِ وتوسيعِ وتطوير القوات المسلحة، فبنت جيشاً قوياً حديثاً عظيماً حتى أضحى الحارسَ الأمين لسيادة العراق وأرضه وأمنِ شعبِه، وذراعِه القوي المدافعَ عن حقوقِ الأمة العربية في فلسطين وأمنِ الكثير من أقطارها.

ولأنه لا سيادة حقيقية ولا استقلال ناجز من دون قاعدة اقتصادية وطنية راسخة لذا فقد أنجزت حكومة الثورة الاستقلالَ الاقتصادي، ووضعت مواردَ وثروات البلادِ الاستراتيجية بيد أبنائها عبر تأميم النفط والثروات المعدنية الأخرى واستثمارها في صناعاتٍ وطنيةٍ متقدمةٍ كانت الأولى على صعيد الوطن العربي والشرق الأوسط.

وعلى الصعيد الخارجي، حمت ثورةُ تموز مصالحَ العراق الوطنية في بيئته الإقليمية والدولية فرسخت استقلال العراق وسيادته ووحدة أراضيه ورسخت مكانته الإقليمية والعربية والدولية، وعززت علاقاته مع الدول العربية الشقيقة ومع الدول الإسلامية وسائر دول العالم، ودعمت قضايا الأمة العربية وحركاتِ التحرر القومي وفي مقدمتِها الثورة ُ الفلسطينية، وتصدّت بحزمٍ لكلِ أشكالِ التطبيع الخياني، وقدّمت الدعمَ العسكري والاقتصادي والتعليمي لعددٍ كبيرٍ من الأقطار العربية، كما انفتحت على حركات التحرر في العالم الثالث.

وقد استثارت هذه الإنجازاتُ العظيمة أعداءَ العراق والأمة ِالعربية، وفي مقدمتهم القوى الاستعمارية وإيران والكيان الصهيوني، فناصبت العراقَ العداء وباشرت التآمر عليه منذ وقت مبكر بدءاً بمؤامرة إيران لقلب نظام الحكم في كانون الثاني عام 1969 وحربها العدوانية على بلدنا من عام 1980إلى 1988 ، وصولاً إلى الحملة الحربية الاستعمارية الكبرى على العراق التي وضع الكيان الصهيوني مخططها وتولت الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران تنفيذها  ابتداءً من آب عام 1990، واشتملت على حرب الثلاثين جيشاً المدمرة عام 1991، والحصار الخانق الشامل من آب 1990إلى الغزو في آذار عام 2003 ، وخطة التدمير المنهجي الشامل لقدرات العراق العسكرية والعلمية والصناعية التي نفذتها فرق التفتيش عن الأسلحة المزعومة  طيلة فترة الحصار . وقد توجت أميركا وبريطانيا وإيران هذه الحملة العدوانية الشاملة بعملية غزوِ العراق واحتلالهِ عام 2003، وفقَ المخطط الصهيوني الذي استهدف اسقاط حكومة الثورة وهدم دولة العراق الوطنية وإشاعة الفوضى والدمار في ربوعها.

أيها العراقيون الأباة

لقد جلبَ الغزوُ والاحتلالُ الاستعماري للعراق ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الويلات والتدمير والكوارث، حتى باتَ العراقُ، هذا البلد الناهض الذي كان يقفُ على أعتابِ الدول المتقدمة، نموذجاً للدولة الفاشلة وصار مرتعاً للجريمة والفوضى والانحراف، وساحة للتجهيل المنظّم والمقصود وإشاعة التفرقة الأثنية والطائفية لتخريب النسيج الاجتماعي لأبناء الوطن الواحد.

 وقد بدأت إدارة الاحتلال الأميركي البريطاني تنفيذ هذا المخطط ِ الصهيوني الخبيث مباشرة وعن طريق أفواج من العملاء والساقطين وفي مُقدمتِهم عملاءُ إيران، الذين أوكلت إليهم مهمةَ إكمال تنفيذه بعد انسحاب قوات الاحتلال في نهاية عام 2011 وذلك عن طريق التشكيلات التي أقامتها لهم تحت لافتة العملية السياسية.

وكان أول إجراء في هذا المخطط حل الجيش والغاء سائر القوات المسلحة، وإصدار قرار الاجتثاث الفاشي لأعضاء حزب البعث من أجهزة الدولة والذي فـُصِلَ بموجبه مئاتُ الألوف وحُرِم العراق من خيرة الكوادر من أبنائه المدنيين والعسكريين. ثم فرض المحتل نهج المحاصصة لتقسيم الدوائر والوظائف والموارد العمومية في الأجهزة الحكومية على أحزاب عملائه وفق محاصصة دينية وعرقية ومذهبية، وذلك تأسيساً لتقسيم العراق وإمعاناً في إشاعة الفوضى والفساد والتدمير المنهجي لأجهزة الحكومة وتمزيق المجتمع.

وبعد تفكيك المؤسسة العسكرية والأمنية، شكلت إدارة الاحتلال جيشاً ودوائر أمنية داخلية من المليشيات الموالية لإيران بهدف هزِّ أركان الدولة وتمزيق المجتمع العراقي. كما نصبت الجواسيس واللصوص حكاماً على شعب العراق، وأطلقت مباشرة وعبر حكومات عملائها يد المافيات للتحكم في اقتصاد الوطن ونهب موارده، وإشاعة الفساد في جميع التشكيلات الحكومية التي أسستها. وهكذا باشر عملاء الاحتلال السرّاق والساقطون نهب المليارات من ثروات الشعب وتحويلها عبر منظومات الفساد المؤسساتية إلى إيران، وإلى جيوبهم وحساباتهم في خارج العراق.

كما سعى النظام العميل لإيران الذي نصّبَه المحتل إلى هدم مقومات المجتمع المستندة إلى القيم العراقية والعربية والإسلامية العريقة. وسمحت لفرق الاغتيالات الإسرائيلية والإيرانية لتصفية الألوف من كبار ضباط الجيش والطيارين والعلماء والمهندسين والأكاديميين العراقيين، فضلاً عن قيام مليشيات إيران بتصفية عشرات الألوف من البعثيين ومؤيديهم وتشريد مئات الألوف غيرهم من أبناء العراق من بيوتهم ومدنهم وبلادهم.

وعمل المحتل والنظام العميل لإيران الذي أقامه في العراق إلى إدخال التنظيمات الإرهابية للتذرع بها لتخريب المدن التي احتضنت المقاومة الوطنية العراقية وإبادة أهلها وتهجير أبنائها لإفراغ العراق من قدراته البشرية وعقوله العلمية وإحداث التغيير الديموغرافي الذي يتعارض مع أبسط حقوق الإنسان ويشكل خرقاً فاضحاً للمواثيق الدولية ويخدم أهدافاً مشبوهة بعينها.

يا أبناء شعبنا العزيز

لقد واجه حزبكم بعد احتلال العراق مهامَ جسيمةً عديدة، كان في مقدمتها إعادة التنظيم الحزبي إلى جميع أنحاء العراق، رغم استماتة المحتل وعملائه الموالين لإيران في محاولاتهم للقضاء عليه عبر اجراءات الاجتثاث الفاشية وحملات القتل والاعتقال والتشريد والتجويع الغاشمة ضد مئات الألوف من أعضائه والملايين من جماهيره. وعمل على إطلاق المقاومة العراقية المسلحة ضد القوات المحتلة منذ اليوم الأول للاحتلال فقام بتشكيل عدة فصائل مقاومة باسلة، أجبرت قوات الاحتلال، عبر عمليات بطولية وتضحيات ملحمية، بالتعاون مع فصائل مقاومة عراقية أخرى، على الانكفاء خارج المدن عام 2009، ثم الخروج هارباً بالانسحاب الذليل نهاية عام 2011، بعد أن كبدته خسائر جسيمة. وقد اعترفت دائرة المحاربين القدامى في البنتاغون بأن خسائر الجيش الأميركي منذ بداية الاحتلال في 9/4/2003 وحتى نهاية شهر أيار عام 2007 (أي في ما يقرب من نصف فترة الاحتلال) بلغت   73650 (ثلاثة وسبعون ألفاً وستمائة وخمسون) جندياً أميركياً  وأكثر من  مليون ونصف مليون جريح ومعوق ومصاب بعاهة. وهذا يعني أن المقاومة العراقية الباسلة قد كبدت المحتل الاميركي وحده في كل فترة الاحتلال أكثر من 130 ألف قتيل.

وحينما أيقن الأعداء أن “البعث” عصيٌّ على الاغتيال عبر قوانينهم الجائرة وحملاتهم الظالمة لجأوا إلى محاولات دنيئة لاغتياله من الداخل من خلال بعض الحزبيين ضعاف النفوس النرجسيين الطامعين بالوجاهة والمصالح الشخصية والذين تحركهم قوى مشبوهة ونوازع الطمع والغدر. فواجه البعث محاولة ردة مبكرة عام 2007 للهيمنة عليه وحرفه عن مساره القومي والوطني، وتمكن من دحرها وانهائها. ومنذ أكثر من 10 سنوات لاحظت القيادة بوادرَ تكتلٍ يقوده بضعة حزبيين تسللوا إلى مراتب قيادية ‏في تنظيمات الحزب في المهاجر، في غفلة وفي ظروف الحزب الصعبة المعروفة بعد احتلال العراق. ويقوم هذا التكتل على ولاءات شخصية بعيدة عن قيم الحزب وأخلاقيات تنظيمه وضوابط نظامه الداخلي التي اعتمدها فكانت بمثابة العمود الفقري لقوته وديمومته لأكثر من سبعة عقود. وقد رافقت ظهور هذا التكتل مساعٍ مؤسفة لبث روح الاحباط لإفشال كل مبادرة ناجحة للحزب على الصعيدين العربي والدولي على طريق تحرير العراق وخدمة العمل الوطني المناهض للاحتلال.  كما اقترنت بالتشهير بكوادر الحزب وزرع ‏الفتن بين أعضائه. ولم تكن قيادة الحزب ممثلة بالرفيق الأمين العام عزة إبراهيم رحمه الله والقيادة القومية وقيادة قطر العراق غافلة عن تلك الظاهرة السلبية لكنها صبرت ‏طويلاً ومارست ضبط النفس طيلة كل تلك السنين العشرة في مسعىً نبيلٍ لإعادة من فقد البوصلة إلى رشده بالتبصير والتوعية حفاظاً على مسيرة العمل في تلك التنظيمات. إلا أن هذه الشلة المتكتلة أصرّت على الإيغال في مشروعها العبثي بقصد إشغال ‏الحزب بالفتن الداخلية والمماحكات الشخصية والمهاترات الدنيئة بعيداً عن مهامه الوطنية والقومية.

وما إن رحل الرفيق عزة ابراهيم الأمين العام أمين سر القطر رحمه الله في أواخر عام 2020 ‏حتى كشفت هذه الشلة عن مخططها المريب للهيمنة ‏على الحزب. فتحركت القيادة القومية وقيادة قطر العراق بسرعة وأحبطت ‏المحاولة التآمرية، وذلك بموجب صلاحياتها ومهامها ومسؤولياتها بوصفها ‏القيادة العليا للحزب الأمينة على سلامة مسيرته وعمل فروعه وتنظيماته كافة وفق ‏مبادئه الوطنية والقومية والإنسانية، وحسب نظامه الداخلي، وهو ما مارسته طوال ‏مسيرة الحزب منذ تأسيسه وخلال أكثر من سبعة عقود ونصف.

ورغم كل محاولات القيادة لمعالجة الأمر ‏بالصبر والتأني والحكمة لكن تلك الزمرة أمعنت بالتصعيد المتعمَّد خدمة لتنفيذ مشروعهم المشبوه متوهّمين من أن الصبر والحكمة وبعد النظر هي مؤشرات ضعف وليس دلائل قوة، فأوغلت بقايا الشلة المرتدة في مسارِها المنحرف وشنت في وسائل التواصل العامة حملةً دعائيةً كثيفة ومتصاعدة ‏من الأكاذيب والشتائم والتشهير اللاأخلاقي ضد قيادة البعث القومية وقيادة قطر العراق وأعضائِهما. ثم ما لبثت أن أعادت الكرّةَ ‏في أواخر شهر آذار الماضي، فقامَ عناصرُها بمحاولةٍ ثانية للهيمنة على قيادة قطر ‏العراق بممارسات تكتل مفضوح ثبت حدوثه بالأدلة القاطعة وبالشهود. وكان من الطبيعي أن تـَلقىَ هذه ‏المحاولة رفضاً سريعاً حازماً من كافة قواعد وكوادر الحزب صعوداً إلى القيادة القومية وقيادة قطر العراق اللتين مارستا ‏مسؤولياتِهما القيادية وواجباتِهما في حماية الحزب فاتخذتا قرارات حاسمة وَأَدَت ‏محاولة الردة وعاقبت أقطابها.

وهكذا استطاع الحزب بفضل الحضور ‏الفاعل لقيادته وتماسك ووعي تنظيماته في عموم محافظات القطر وفي المهاجر أن يحاصر مشروع الردة ‏الجديد ويقبره في مهده، ما جعل عناصره يتساقطون واحداً بعد الأخر، تماماً كما حصل لأسلافهم الذين ارتدوا قبلهم عامي 1966 و2007 وتساقطوا واندحروا وانتهوا ‏كما الفقاعات،‎ وبقي حزبكم أيها العراقيون واحداً متماسكاً نقياً بعد أن طُهِّر من عناصر الردة والانحراف.

إننا في قيادة قطر العراق نؤكد من موقع المسؤولية عن الحفاظ على كوادر الحزب وأعضائه أن باب الحزب مفتوح لكل من يتراجع عن طريق الردة ليعود، وفق ضوابط النظام الداخلي، إلى صفوف حزبه بعد أن بانت للجميع الحقائق وتكشّفت لهم النوايا الغادرة لشلة الردة المنحرفة.

يا أبناء شعبنا العزيز

لقد استهدفَ أعداءُ العراق والأمة العربية وخصوصاً الكيان الصهيوني وإيران ثورتكم العظيمة وحزبَ البعث الذي أطلقها وقادها عبر مسيرة 35 عاماً من الإنجازات العظيمة، لأدراكهم إن هذا الحزبَ على قدرٍ عالٍ من التميز والفرادة عن كلِ ما سِواه من أحزابٍ وتنظيماتٍ في العراق. لقد توفرت للبعث جملةٌ من المميزات الاستراتيجية التي تبدو جليةً في قدراته النضالية والجماهيرية، وتاريخه الطويل في العمل السياسي الوطني المسؤول، وفي انتشاره في كل ربوع العراق وفي كل زاويةٍ من زوايا مجتمعِهِ متجاوزاً كل الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية والمناطقية، بفضلِ عقيدتهِ الوطنيةِ والإنسانية التي تُعلِي قيمَ المواطنة والمساواة. كما تـَتـَمَثلُ ميزاته في خبرات أعضائه وقيادييه الطويلة في إدارة الدولة، وفي نزاهتهم وسمعتهم الطيبة وصورتهم المشرقة لدى أبناء شعبهم.

إن حزباً بهذه المواصفات وبهذه المميزات الاستراتيجية الفريدة هو المؤهل حقاً، لقيادة الفعل الوطني العراقي لتحرير العراق وإزالة الهيمنة الأجنبية واسترداد عافيته وسيادته واستقلاله ومكانته التي يستحقها شعبه العظيم. ومن هنا كان تكالب الأعداء في الخارج وعملاؤهم في الداخل لمنع البعث في العراق من النهوض وبناء تنظيماته واستعادة قوته وتعويض ما ألحقه به المحتل وأتباعه عملاء إيران من اضرار جسيمة وذلك لإبعاده عن أداء دوره ومسؤولياته ومهامه الوطنية الكبرى في تحرير العراق من الاحتلال الأجنبي وانقاذه من هيمنة إيران وذيولها، واستعادة سيادته واستقلاله وخدمة شعبنا العزيز الذي كان “البعث” سبّاقاً في خدمته وفي الدفاع عنه.

لقد استخدم الأعداء لتنفيذ مخططهم المعادي وسائل خارجية من القمع والتصفيات الدموية والتهجير والتشريد وتجفيف الموارد والتشويه والمحاكمات بتهم ملفقة والاجتثاث، كما استخدموا مؤامرات داخلية تتمثل بما يتيحه لهم مرتدون من فرصٍ للانقضاض عليه بحركات غادرة تنتحل اسمه وتحاول إشاعة الفوضى في تنظيماته، لكن الحزب تمكن بحمد الله من إحباط تلك الدسائس واحدة تلو الأخرى.

أيها العراقيون الأماجد

لقد واصلَ شعبُ العراق العظيم مقاومتَه للاحتلال الاستعماري بعدَ الانسحاب الذليل لقواته في نهاية عام 2011، وذلك برفضه القاطع لما يسمى بالعملية السياسية التي اٌقامها المحتل لبناء نظام حكم محلي خانع له بإدارة عملاء حليفته إيران، وذلك لاستكمال تنفيذ أهداف الغزو والاحتلال حسب المخطط الصهيوني المعادي لدولة العراق ولشعبها الأبي. فنظـّم شعبنا الأبي مظاهراتٍ واعتصاماتٍ وانتفاضاتٍ شعبية عارمة ضد النظام العميل الفاسد الحاكم، شهدتها بغداد والموصل والرمادي والفلوجة والبصرة والناصرية في الأعوام الثمانية التي أعقبت الانسحاب. وفي عام 2019 توج الشعب العراقي كل هذه المسيرة البطولية الرافضة للاحتلال ونظامه العميل الفاسد، في ثورة تشرين الباسلة التي استمدت جذوتها من هذا الفعل البطولي.  وأظهر ثوارها البواسل أعلى درجات الوعي الشعبي وجَسـّـدوا أنقى أشكال الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي في مواجهة النظام الطائفي الفاشي وأطرافه الفاسدة العميلة لإيران. كما تميزوا بالفروسية والإقدام وأبدوا أعلى قيم الفداء والتضحية والبطولة في كل الساحات والميادين وهم يتصدون لأسلحة الميليشيات المجرمة بصدورهم المليئة بحب الوطن والإيمان بحقه في الحياة الحرة الكريمة. لقد كان الهدف الرئيسي لثورة تشرين الوطنية تغيير النظام الفاشي العميل بجميع مؤسساته، وتحرير العراق من الاحتلال الإيراني، وانقاذ شعبه العظيم من الوضع الكارثي الذي خلقه الاحتلال الاستعماري عام 2003، وإسقاط كل ما ترتب عليه من قوانين جائرة ومظالم وشبكات فساد ونهب لثروات الشعب. وإننا على ثقة أن هذه الثورة التي قدّم فيها شباب العراق أغلى ما لديهم ستتواصل حتى تحقيق هذه الأهداف النبيلة وإنجاز الحرية الكاملة لشعبنا العزيز. وهذه المسيرة النضالية البطولية المتصاعدة ضد الاحتلال وعملائه تستلهم من ثورة تموز روحها الاقتحامية ورؤيتها الاستراتيجية وصلاتها بالتاريخ المجيد للعراق والأمة العربية في نسغ صاعد متفاعل مع كل عوامل التحدي وروح الصمود والمطاولة.

وفي هذا الصدد فإن حزبَكم الثوري الذي عهدتموه في ميادين النضال والبناء وقيادة العراق والذي كان له شرفُ مقاومة الغزاة المحتلين عازمٌ على أداء كل الواجبات التي ينتظرها منه شعبُه وأمتُه ويعاهدُكم على تصعيد العمل الوطني لتحرير العراق من الاحتلال الأجنبي المتمثل الآن بالهيمنة الاستعمارية الإيرانية.

وإذ يؤكدُ البعث هذا العزم، فإنه يشددُ على ضرورة التعاون والتنسيق مع جميع الأطراف الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال الإيراني وعمليته السياسية البغيضة من تشكيلات اجتماعية وسياسية ومهنية، ومع كل أبناء الشعب وشخصياته وقياداته المجتمعية الغيورة على وحدة العراق والحريصة على انقاذه مما يعانيه من تدهور وانهيار وتراجع وفوضى على يد حكامه الفاسدين المرتبطين بالاحتلال الأجنبي.

وفي هذا السبيل يجدد حزب البعث العربي الاشتراكي الدعوة التي أطلقها في مناسبات سابقة لإقامة جبهة وطنية عريضة تجمع كل هذه الأطراف، أو وفق أي صيغة أخرى يجري الاتفاق عليها بهدف تصعيد العمل الوطني لإنقاذ العراق من هذا الوضع الكارثي. ويؤكد ضرورة العمل المنظّم الهادف لاسترداد سيادة العراق واستقلاله التام وممارسة الديمقراطية الحقة وإقامة حكومة انتقالية وطنية عراقية من كوادر وكفاءات وطنية عراقية مستقلة نزيهة تتولى إدارة البلاد لفترة انتقالية يُتفق على مدّتها. وتتولى الحكومة الانتقالية إزالة كل القوانين والإجراءات الشاذة الدخيلة التي فرضها الاحتلال وحكوماته، وفرض النظام والقانون، والقضاء على حالة التدهور والفوضى والهدر لأموال الدولة اضافة الى ضرب شبكات الفساد واحالة الفاسدين للقضاء، والعمل على استرداد أموال الشعب المهربة. كما تتولى معالجة فوضى السلاح والإلغاء الفوري لكل ما يقع خارج القوات المسلحة النظامية من مظاهر ومليشيات مسلحة، وإعادة تنظيم الجيش وسائر صنوف القوات المسلحة وفق قوانينها وتقاليدها المهنية والوطنية العريقة. كما تعمل على الحفاظ على جميع مؤسسات الدولة وتوجيهها لخدمة الشعب وإبعاد الفاسدين عنها، وإصلاح النظام القضائي وتطهيره من الفاسدين. ومن مهامها أيضاً حماية الأملاك العامة والخاصة، وإزالة جميع التجاوزات والتغييرات والاوضاع الشاذة المخلة بالسلم المجتمعي والمنافية لتاريخ العراق المجيد وتراثه العربي والإسلامي العريق والتي فرضتها ادارة الاحتلال الاجنبي وحكومة عملائها الطائفية الفاسدة في قطاعات التعليم والثقافة والإعلام والأوقاف.

كما أن في طليعة مهامها وضعُ مشروع دستور وطني جديد يلبي آمال الشعب على وفق القواعد والمبادئ الدستورية الوطنية التي قامت عليها دساتير الدولة العراقية قبل الاحتلال، وطرحه على الاستفتاء الشعبي العام لإقراره، وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية بموجبه وفق قانون انتخابات وطني جديد وبإشراف هيئة انتخابات رسمية يديرها القضاء وبرقابة دولية، وذلك لإتاحة الحرية الكاملة لكل العراقيين المؤهلين قانونياً للترشح والانتخاب لاختيار مجلس نيابي وحكومة وطنية تمثلان الشعب وتعملان لخدمته وللنهوض بالبلاد.

ومن بين المهام الأساسية للحكومة الوطنية الانتقالية المقبلة إعدادُ قانون للأحزاب وآخرَ لحرية الصحافة، وصيانةُ حق التعبير عن الرأي وحماية حقوق الإنسان، وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الفاشية المنتهكة لحقوق الإنسان والمنافية لقيم الحق والعدل وللمبادئ الإنسانية والديمقراطية مثل نظام المحاصصة العرقية والدينية والطائفية، وقوانين وإجراءات التمييز وعدم المساواة والاقصاء الديني والعرقي والطائفي والسياسي، والبدء بمعالجة آثارها الكارثية على المجتمع العراقي وتعويض المتضررين منها.

ومن واجبات الحكومة الوطنية الانتقالية العملُ الفوري على إعادة النازحين والمهجّرين إلى مناطق سكناهم الأصلية وتعويضُهم عما أصابهم من أضرار، وإطلاق سراح كل العراقيين الأبرياء الذين اعتقلوا وسجنوا لأسباب سياسية تتصل بمقاومتهم للاحتلال أو انتمائهم للعهد الوطني، أو بسبب معارضتهم لهيمنة إيران، أو الذين أودعوا في السجون لأسباب طائفية بموجب قانون الإرهاب أو لغايات كيدية حسب تقارير المخبر السري.

ومن مهام الحكومة الانتقالية وقف العمل بنظام المحاصصة في التعيين في جميع مجالات العمل الحكومي، واعتماد المساواة الكاملة بين المواطنين ومعايير الكفاءة والإخلاص للوطن، وإلغاءُ عمليات التغيير السكاني التي أحدثها النظام العميل في عدة مناطق، وتقديم المساعدات التموينية العاجلة لإسعاف ملايين المواطنين الذين أفقرهم النظام الفاسد، والبدء بمعالجة قضية البطالة بصورة شاملة وتوفير فرص عمل للعاطلين الذين ضاعفت أعدادهم إجراءات المحتلين والعملاء بتدمير قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات وهدر أموال الدولة.

وتتعهد الحكومة الوطنية الانتقالية بإعداد قوانين للأحزاب وضمان حرية الصحافة، وصيانة حقوق التعبير عن الرأي وحماية حقوق الإنسان، وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الفاشية المنتهكة لها والمنافية لقيم الحق والعدل والمبادئ الإنسانية والديمقراطية ، وإحالة كل الذين أجرموا بحق ثوار تشرين، سواء الذين أطلقوا النار أو القنابل الغازية المهلكة، أو الذين خطفوا واغتالوا الناشطين المدنيين، وإحالتهم مع آمريهم ومسؤوليهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، هم وكل الذين اقترفوا جرائم بحق العراقيين من قتل وخطف واعتقال وحبس تعسفي وابتزاز وجرائم نهب وسرقة وتجاوز على الأملاك الخاصة والعامة منذ عام 2003.

وستتولى الحكومة الانتقالية استعادة علاقات العراق الوثيقة مع جميع الدول العربية، والحفاظ على مكانته وعلاقاته المتوازنة مع الأسرة الدولية والقائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة وتعزيز السلام والأمن الدوليين، كما ستسعى لاستعادة دور العراق القوي والمحوري في تحقيق وترسيخ السلام والأمن والاستقرار والتنمية، وفي مكافحة الإرهاب والتطرف في العالم.

هذه هي رؤية حزبكم أيها العراقيون الأماجد، لمرتكزات المرحلة الانتقالية التي من خلالها يستطيع شعبنا تجاوز المحن والكوارث التي خلفها الاحتلال والسلطات العميلة الغاشمة، ويعبر نحو أفق الاستقرار والدولة المدنية الحديثة التي يتساوى فيها المواطنون عند خط شروع واحد، ويكون الأفضل بينهم هو الأقدر والأكثر استعداداً لخدمة وطنه وشعبه.

إن هذه المرتكزات هي التعبير الأسمى عن وفائنا لدماء شهدائنا الأبطال وعذابات جرحانا وأسرانا الأحرار ومعاناة أبناء العراق طيلة عقدين، وهي الرد العملي على كل ما خططه الغزاة ونفذه عملاؤهم من تخريب وقتل وتدمير وفساد وتجهيل. كما إن تفاعل شعبنا العزيز مع هذه المبادئ الاستراتيجية واعتمادها هو السبيل الأمثل لتحقيق حلم ملايين العراقيين المتمثل بعودة العراق حراً عزيزاً سيداً مستقلاً ينعم شعبه بثرواته في أجواء من السلام والرخاء والأمان ويبني فيه أبناؤه سبل المستقبل الزاهر بإذن الله تعالى.

تحية لجميع ثوار تموز البواسل الذين صنعوا فجر ثورة السابع عشر من تموز، ولقادتهم الميامين فرسان الثورة: الرئيس الأب القائد أحمد حسن البكر والرئيس شهيد الحج الأكبر صدام حسين والرفيق صالح مهدي عماش. وتحية لرفيق دربهم قائد الجهاد والتحرير عزة إبراهيم رحمهم الله جميعاً. 

الرحمةُ والخلودُ لشهداء البعث وثورة السابع عشر من تموز والعهدِ الوطني وسائرِ شهداء العراق، وعِلـِيّين لشهداء الصمود العراقي المُعجز وأبطال المقاومة الوطنية المسلحة والانتفاضات والاعتصامات الشعبية وثوار تشرين البواسل في مواجهة الاحتلال ونظامه العميل لإيران.

عاش العراق وشعبه الصامد الأبي

عاشت امتنا العربية المجيدة

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرفيق

أبو جعفر

أمين سر قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي

16 / تموز / 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *