تعقيب على مقال/ حرب الحضارة

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس/ أكاديمي عربي من العراق

لا خلاف مع السيد عبد الهادي المجالي في أن معظم العرب يجدون أنفسهم في خانة الرضى عن انتصار روسيا في حرب أوكرانيا، ليس حباً بالحروب ولا كرها بشعب أوكرانيا بل شماتة بالغرب عموماً وبالولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً لما مارسه الغرب وأميركا من عدوان متواصل على الأمة العربية وما زال يمارسه ويؤدي إلى اغتصابٍ للأرض وغزو واحتلال وانتهاك للسيادة ونهب للثروات وانحياز تام لكل ما يبقي الأمة العربية منكوبة مغلوبة.

غير أننا مضطرون لمعارضته ومحاججته في نص ما قاله: (درجت العادة أن يتمرجل الغرب ومعه أمريكا على الدول الضعيفة، فمن الممكن أن يكون الفضاء الليبي مفتوحاً للطائرات الفرنسية، من الممكن أن تكون سماء بغداد مفتوحة للطيارين الإنجليز كي يستعرضوا مهاراتهم في الارتفاعات المنخفضة …. الخ).

سنبدأ من هذه العبارة لنردها بما عرف عنا من أدب وموضوعية وغيرة على وطننا وأمتنا، وبالاستناد إلى مشاهدات عيانية، حيث نحن أبناء العراق عشنا أجواء الحروب منذ وصول خميني للسلطة في إيران سنة ١٩٧٩ ولغاية غزو بلادنا سنة ٢٠٠٣ واحتلالها.

طيلة هذه السنوات لم يكن العراق ضعيفاً سيد مجالي، بل إن الحروب التي شنت عليه من القريبين الأشقاء وابتعاداً إلى دول الجوار وأمريكا قد شنت كلها بسبب قوته واقتداره الذي صنعته الدولة الوطنية العراقية (١٩٦٨ -٢٠٠٣) وأي مجانبة لهذه الحقيقة المطلقة المبرهنة بآلاف الشواهد والأدلة التي يعرفها الأشقاء العرب (شعب وأنظمة) وأولهم الأردن الشقيق، هي مجانبة للحق وجلد للذات ليس إلا.

قد لا تكون جنابك تمتلك حقائق قوة العراق في قواته المسلحة وفي اقتصاده ومستوى معيشة شعبه وعلاقاته العربية والإقليمية والدولية وتأثيراته الاستراتيجية، فيكون الواجب عليك أن تتجنب وصف العراق بالبلد الضعيف الذي يتمرجل عليه الغرب وأميركا لأن وصفك ذاك يجافي المعرفة والحق والحقائق.

سأعيدك إلى الحقائق الآتية التي تثبت لك ولغيرك قوة العراق الكبيرة وشجاعته وبسالته وإقدامه التي كان من الواجب والأولى والأشرف لك أن تستحضرها بفخر واعتزاز لتحقق بعض الموضوعية في مقالك الركيك جداً:

أولاً : قاتل العراق العدوان الإيراني الذي شنه خميني بهدف احتلال العراق لثمان سنوات تعتبر هي الحرب الأعظم في التاريخ الحديث والمعاصر، وانتهت بإجبار خميني على قبول السلام، ووصف قبوله ذاك بأنه تجرع للسم الزعاف، لم تكن إيران دولة ضعيفة كما يزعم البعض، ولم تكن أذرعها العسكرية سوى مستميتة لانتزاع الفوز على دفاعات العراق، ولم يكن يعوزها دعم حافظ الأسد ومعمر القذافي والولايات المتحدة والغرب والكيان الصهيوني، وفي ذلك وقائع دولية معروفة ولا ندعيها نحن، غير أن العراق انتصر بشعبه وقيادته وبمن وقف معه من الأشقاء ولو بالحد الأدنى من الإسناد، والأردن شاهد كبير على ما نقوله هنا.

ثانياً: خرج العراق من حرب إيران بكامل قواه العسكرية وبإرادة شعبه التي لا تقهر، وباشر فوراً بترميم داخله وتعويض شعبه في حراك تنموي معروف ومشهود ونهضة علمية يعرفها الغرب والشرق ولا يعرفها من أعمى الله بصرهم وبصائرهم وركبوا قوارب التآمر والخيانة والكراهية وأحقاد خميني ونظامه ومرتزقته والصهيونية وأدواتها التي تعرفها أنت أكثر مني ربما. ولأن العراق مارس من جديد بعد يوم النصر العظيم على عدوان إيران مسارات الارتقاء، فقد تصعدت عوامل ومكونات استهدافه في قوته وليس لأنه ضعيف كما تفضلت.

ثالثاً: زعل العراقيين على أشقائهم الكويتيين (والأردن الشقيق نظاماً وشعباً يعرف كل التفاصيل ووثقها في كتاب الأردن الأبيض) وكان لزعلهم مبرراته الجدية والعميقة وأخطرها على الإطلاق ارتباط الزعل على الكويت بنتائج الحرب الإيرانية على العراق وبانتصار العراق فيها.

وحصل ما حصل، ولعلك عشت بعض تفاصيله ونحن عشناها داخل العراق، وأكيد إن حضرتك تعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جمعت حلفاً عسكرياً من قرابة ٣٤ دولة عظمى وكبرى وصغرى لمهاجمة العراق في الكويت وداخل العراق، واتفقت مع إيران على استكمال مشروع احتلال العراق، ولسنا هنا بصدد ذكر تفاصيل ما هو عالق في ذاكرة الجميع.

 لكن السؤال الواجب هنا طرحه عليك هو: إذا كان العراق (ضعيفاً) فلماذا حشدت أميركا كل هذه الدول بكل قدراتها، ويضاف لها دول أخرى جندت اقتصادها وإعلامها؟

ألم يكن أولى بها أن تقدم الدعم لجيوش (العرب) التي شاركت أميركا في حفر الباطن مثلاً؟ وإذا استثنينا العرب، أولم يكن الأجدر بأميركا أن تساند إيران مثلاً التي غزت العراق بعد ضرب قواتنا المنسحبة من الكويت وتدميرها بعد تطبيق قرار وقف إطلاق النار غدراً وغيلة وبكل مكونات انعدام الشرف وأخلاقيات المنازلة العسكرية المقرة بقوانين دولية معروفة لو كان العراق ضعيفاً؟

رابعاً: وهنا سأصحح لك معلومات مغلوطة ذكرتها لتثبت نزعة ذاتية فيك تغريك للأسف الشديد بجعل العراق بلداً وشعباً مهاناً لا حول له ولا قوة.

نعم نحن عشنا سنوات أحداث الكويت وما تلاها من حصار ظالم دام أربعة عشر سنة شمل كل شيء، الدواء بما فيه حبة الأسبرين والغذاء كله والسلاح كله والمواد الأولية والعلم والتعليم والورق والأقلام ورافق الحصار بسنواته الأربعة عشر هجمات بالطائرات والصواريخ دمرت كل بنى العراق التحتية …

أتعرف لماذا سيد مجالي؟ نحن سنقول لك لماذا؟

لأن أميركا أدركت قوة العراق في حفر الباطن والخفجي وفي الكويت ذاتها ثم بعد ذلك أدركت قوة العراق وشجاعته في معارك الدبابات التي حاولت غزو العراق ودمرها رجال العراق الغيارى، وبعد تلك المعركة التاريخية التي غيبها تاريخ الرويبضات في هذا الزمن الأغبر اضطرت أميركا وحلفها على الانسحاب وأوكلت أمر غزو العراق إلى إيران والتي تمكنت تحت تلك الظروف القاسية احتلال كل محافظات العراق الجنوبية وصولاً إلى ضواحي بغداد وبعض محافظات الشرق والشمال ثم ما لبثت قوة وجسارة العراق أن بانت لأمريكا المجرمة ولكل مراقب قريب وبعيد حيث تمكنت القوات المسلحة العراقية البطلة من طرد الغزاة الفرس ومرتزقتهم في أيام معدودات فقط.

لا يقدر على إدارة تلك الأحداث العسيرة سيد مجالي سوى الشجعان الأقوياء، وكان أشقاؤك العراقيون أهلاً لها.

وفي غزو ٢٠٠٣ الذي حشدت له أميركا حلفاً جديداً ضم من بين من ضمهم جيش أوكرانيا ومعها قرابة أربعين جيش لأربعين دولة. نحن كنا جنود في معركة صد الغزو سيد مجالي ولسنا مراقبين. لم تكن الأمور ميسرة كما صورتها لأمريكا وحلفها أيها الشقيق العزيز. ونحن لم نهزم، ولم نرفع راية بيضاء إلى اللحظة، بل قاومنا وقاتلنا ولا زلنا نقاوم.

لم تمر طائرة على سماء العراق تتبختر سيد مجالي، بل كانت مقاوماتنا الأرضية تحرق الفضاء وأغلب الطيران الذي قصفنا ونحن بلا ذراع جوي كان يقصف من سماء عربية مجاورة أو من كبد السماء خوفاً من صواريخنا ورصاصنا (يعني إننا ما كنا ضعفاء ولا جبناء بل قاتلنا دفاعاً عن وطننا بشراسة وبسالة وشجاعة جيشاً وشعباً وقدمنا آلاف الشهداء).

 ولأن ميزان القوى مائل معوج ظالم فإننا قد قاتلنا بما متاح وبإرادة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

يبدو سيد مجالي أن اندفاعك في مقارنة قوة روسيا مع ضعف العرب وتهالكهم قد أنستك حقائق ما جرى ويجري في العراق الذي وصفته وصفاً مهيناً هو أبعد وأعلى وأشرف ما يكون عنه..

نسيت المقاومة العراقية التي بدأت تزامنا مع دخول قوات الغزو سنة ٢٠٠٣ وقتلت باعتراف أميركا الرسمي قرابة ٥ آلاف أمريكي ونحن نعرف كشهود عيان أن هذا الرقم قد يكون هو خسائرهم في معركة المطار الشهيرة في نيسان ٢٠٠٣ م فقط، والتي نسيتها هي الأخرى مع أن هناك أكاديميات عسكرية تدرسها وقد تدخل كمنهج في دراسات الأركان العسكرية.

نحن من شهد رؤوس الأمريكان تحملها رماح العراقيين ويتجولون بها في شوارع بغداد على بعد أمتار من دبابات الغزاة، وجثث الجنود الأمريكان التي عادت من العراق يصل عددها الحقيقي إلى ٧٥ ألفاً، واسأل عن عددها نوري المالكي الذي زار المقبرة الأمريكية ووضع الزهور على مقابرهم. وثمة ما يقرب من ٢٥ ألف معاق ومجنون لا زال بعضهم في المشافي الألمانية والأمريكية وخسائر باهظة في المعدات جعلت أميركا تتراجع وتعيش أزمات سياسية واقتصادية متتالية.

بل من حقنا أن نذكرك سيد مجالي ونذكر معك كل العالم أن روسيا قد صارت قوة عظمى بفضل العراق ومقاومته الباسلة للغزو الأمريكي وما أحدثه بقوات أميركا ومعداتها من خسائر جسيمة، لكن مرة أخرى فرق ميزان القوى الهائلة كان له دوره في تقرير معظم النتيجة، وليس كلها لأن العراق ما زال يقاوم بدليل عدم نجاح النظام الذي أقامته أميركا إلى اللحظة، وأنت تعرف هذا يقيناً لكنك قد لا تدري أن سبب فساد النظام وفشله سببه الأساس رفض العراقيين ومقاومتهم له.

كان العراق قوياً شجاعاً تآمر عليه وخذله من أراد أن تأتي لحظة تقول فيها أنت كلمتك ويقولها غيرك باتهام الأمة بالجبن والضعف وهو اتهام فيه عبور صارخ للحقائق حتى لو صح بعضه على واقع بعض أنظمتنا.

أما عنوان مقالك فهو نقطة خلاف جوهرية معك.

أولاً روسيا حاربت دفاعاً عن نفسها (هذه وجهة نظرها على الأقل) خوفاً وردعاً لتمدد حلف الناتو، ولم تحارب حرباً حضارية، بل إننا نجزم أن الجانب الحضاري في حرب روسيا على أوكرانيا ضعيف وثانوي إزاء أرجحية عوامل الصراع الاستراتيجي المعروفة.

 ثم: كان عيباً عليك سيدي أن تخرج أمتك وأقطارها من دائرة الحضارة فنحن أصل الحضارة باعتراف من مدتهم من الغربيين والشرقيين على حد سواء.

نحن أهل الحضارة قبل ٨ آلاف سنة في بلاد الميزوبتيميا (العراق) والكنانة بمصر وفي أصلها السوري والأردني والليبي المغاربي.

لا يا سيد مجالي …إن حرب الغرب وأميركا على العرب عموماً هي حرب الحضارات وصفاً وتكويناً وإيديولوجيات.

لا أجد ضرورة لأعدد لك شواهدنا الحضارية فهي أشهر من نيران على أعلام، فنحن أصل الحرف والمحراث والعجلة والهندسة والجبر والسدود والقصور، ونحن كنا نصنع في العراق السلاح والزرع والثياب وننمي الحياة ونجري البحوث في الطاقة النووية والشمسية.

نحن سيد مجالي (حضارة وقوة) والحضارة مطلقة الديمومة والوجود بشواهد، أما القوة فهي حالة متحركة لا يراهن عليها غير قصيري النظر، فالقادم لنا نحن أمة العرب إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *