الخروج من قصور آيات الله

نزار السامرائي

الحلقة 30

في لحظة فاصلة من سير الزمن، ولعلها إغفاءة مقصودة من قبل اللاعبين بسلطة المال والسلاح، دارت عقاربه دورة كاملة وسرعة كبيرة، ليعود إلى لحظة النشوء الأولى، يوم أن خلق الله السموات والأرض، ثم خلق آدم من طين فقال له كن فكان أول مخلوق في ممتلكات الله، ثم أمر الملائكة بالسجود له، ولكن إبليس تكبّر وعصى، ومن تلك اللحظة بدأت الخطيئة الأولى، فغضب الله سبحانه عليه فطرده من الجنة هو وزوجه ومن أغراهما بالمعصية، وقال الله لآدم وحواء وإبليس بسم الله الرحمن الرحيم “اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ”، صدق الله العظيم.

وبعد حين لا يعلمه إلا الله، وبعد أن أنجب سيدنا آدم عليه السلام ولديه وابنتيه على ما تقول الحكاية، أغرى الشيطانُ قابيلَ بقتل أخيه، في أول جريمة لتدشن مسيرة الصراع والنزاع بين بني البشر، وبذلك قتل سُدسَ سكان الأرض، فكانت الحرب العالمية الأولى الحقيقية والخطيئة الثانية، التي أسست لمسيرة الخطايا، التي لن تتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

كان الاختيارُ المتكرر لقياس صبر البشر، أرضَ الأنبياء التي انطلقوا منها داعين إلى الله وإلى الإصلاح، في مجتمعات الرذيلة والفساد، كانت أرض العراق هي المقصودة، في صراع الخير والشر بكل ما يمتلكان من عزم وعنفوان، عندما اجتمع شر الأرض كله، على الخير المحصور في حيز ضيق من أرض نوح وإبراهيم عليهما السلام، فكانت الجريمة الجديدة.

في ساحة الفردوس وعلى مقربة من الفنادق الكبرى في بغداد، حيث ينتصب أكبر تمثال للرئيس صدام حسين رحمه الله، أقامت القوات الأمريكية أكبر وليمة لغداء شياطين الإنس والجن، ودعت إليها رعاع الأرض، تم تجميعهم ممن جاءوا معها من عمال خدمة ومنظفين الذين يطلق عليهم لينين وصف “البروليتاريا الرثة”  ومن مترجمين من جنسيات الوطن الممتد بين الدم والدم، ومن أدلّاء أذلّاء على غرف نوم أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم واخواتهم، مع أعداد من سقط المتاع من عراقيين اختاروا التشرد مهنة، والتسكع على أرصفة الضياع وظيفة، ومن العاطلين عن العمل لأميّتهم وغبائهم وفسادهم، والناقمين بسبب تلك الأمراض المتوطنة في ضمائرهم، على سياسات الرئيس صدام حسين وحزب البعث اللذين أرادا العز والمجد للعراق.

اجتمعوا في ظرف التقلبات السياسية والاجتماعية الدراماتيكية الكبرى، في بلد معروف عن أبنائه سرعة التقلب في المزاج العام بين الرضا والسخط، وانفلات المشاعر بعد انحسار قوة الدولة، فتم عرض الفصل الأخير من مسرحية إسقاط النظام الوطني التي خدشت الضمائر قبل العيون، وبصرف النظر عن كل ما يحمله كل من وقف في ساحة الفردوس يوم 9/4/2003، فإنه لا بد سيشعر بالخزي من اصطفافه مع قوات الاحتلال الأمريكي التي استباحت وطنه وماله وعرضه، إذا ما عاد إلى نفسه في لحظة صحوة مؤقتة للضمير، وخاصة أنه كان قبيل ساعات أو أسابيع منتميا إلى صفوف الحزب، وكان يهتف بأعلى صوته بحياة القائد وبالوقوف وراءه في المعركة، وبالروح بالدم نفديك يا صدام.

تم إسقاط تمثال الرئيس صدام حسين رحمه الله، برافعة عسكرية أمريكية، وصعد على سلمها جندي من جنود المارينز الذي لم يهنأ كثيرا في زفافه المؤقت، بعد أن وضع على رأس التمثال علم أمريكا الغازية، ولأن المشهد كان ينقل إلى الملايين عبر الفضائيات العربية والدولية، في مسرحية من مسرحيات التراجيديا السياسية الموجعة للقلب والمثيرة للصداع، فقد أمر مسؤولون أمريكيون من واشنطن باستبدال العلم الأمريكي بالعلم العراقي كي يتم الإخراج بطريقة أكثر إقناعا، وتم سحب التمثال بطريقة وحشية بمجنزرة أمريكية، لتعكس النفسية الأمريكية التي صنعتها معارك الكاوبوي، وتنم عن منطق ثأري، يُخفي وراءه صورة عن حجم ما تُخفيه الضغائن الشخصية من تأثير على مسار الأحداث السياسية في العالم، وانهال بعض الرعاع وسقطة الناس على التمثال بالضرب، تنفيسا عن عُقد شخصية ومركبات نقص لن يعثر عليها علماء النفس أو الاجتماع إلا لدى العراقيين، الذين أعجزوا أكبر العلماء عن تحليل شخصياتهم المركبة والثنائية والتي تعكس سلوكا ونقيضه في وقت واحد.

وليوم 9 نيسان/ أبريل 2003، غصة دامية في حلوق العراقيين، فبمثل هذا اليوم وقبل واحد وثلاثين عاما، أي في عام 1972، كان الأب القائد، الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله، يوقع مع اليكسي كوسيجين، رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي الذي أغلق أبوابه بعد أن أزال لافتته، وغيّر اسمه إلى روسيا، وقّع معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، والتي يفترض أنها تستمر لمدة 15 سنة، ما لم يعرب أحد الطرفين  عن رغبته في وقف العمل بها، وبعد سقوط التجربة الشيوعية، وقيام دولة روسيا الاتحادية على بعض أشلاء الدولة السوفيتية، أعلنت موسكو أنها تحترم كل المعاهدات والاتفاقيات التي وقعها الاتحاد السوفيتي السابق، وتلتزم بما تفرضه عليها من التزامات، ولكن الاتحاد السوفيتي الانتقائي في تنفيذ ما يريد، والتنصل مما لا يريد، كان قد نكث بكثير مما ورد في تلك المعاهدة، من أيامها الأولى، فهل يتوقع أحد من العراقيين، رسميين أو غير رسميين أنه سيخرج ميتا من قبره ليقيم له قداّسا خاصاً؟ لقد أكدت أحداث العراق، أنّ لا أمن للأمة إلا بقوتها الذاتية، فلا أمن جاهز للإعارة أو التصدير، ولا أحد يقاتل عن آخر، مهما تقاربت المصالح، ولا بد أن يحصل الفراق طال الزمن ام قصر.

كل ما حصل في تاريخ الشعوب والأمم من كوارث إنسانية، كان بعيدا عن المشاهدة العيانية المباشرة وعلى أوسع نطاق وبوثائق فلمية بالصورة والصوت، ولهذا لا يرتقي تأثير ما حدث في الماضي، إلى مستوى الصدمة التي تحدثها الصور المباشرة التي تنقل عبر الأقمار الصناعية، فرآها أناس شعروا بسعادة غامرة لما حل بالعراق لأنهم يشعرون بالضآلة تجاهه، ورآها أخرون فمزقت قلوبهم ألماً وحسرة على أن يحصل هذا للعراق، البلد العربي الذي تعامل مع الأمة كما لم يفعل نظام عربي رسمي عربي آخر، فما جرى في العراق موثق بالصورة والصوت وبإرادة الأمريكيين أنفسهم الذين شجعوا رعاع القوم على العبث بالممتلكات العامة وسرقتها.

تفككت منظومة الدولة بسرعة، بعد خروج المؤسسة العسكرية من أكبر منازلة بين رجال حملوا قضيتهم بشجاعة مع أحدث ماكنة عسكرية عرفتها البشرية، وتبع ذلك تفكك مؤسسات الدولة وخاصة المخابرات والأجهزة الأمنية لعدم وجود المراجع العليا التي تعطي الأوامر والتوجيهات، والتي كانت حتى قبل سويعات واحدة من أبرز مظاهر قوة الدولة، التي بناها النظام الوطني، وكانت متماسكة وقوية القبضة، تبعا لذلك تبخرت مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، في وقت كان المواطن بحاجة إلى وجودها في مثل هذا الظرف العصيب، أكثر من حاجته إليها في ظروف الرخاء، حتى لكأنها لم تُبنّ في أكثر من ثمانين عاماً بالجهد والعرق والمال.

المواطن العادي من المستحيل التكهن برد فعله على تطورات الأحداث، ولكن عندما وقع ما وقع، واستبيحت الممتلكات العامة أمام عين القوات الأمريكية وتحت سمعها، بل هي التي شجعت عليها، ولم يُوفر اللصوص شيئا نافعاً للاستعمالات المنزلية أو الخاصة، بل حتى كل شيء يمكن حمله سواء كان مفيدا أو غير مفيد، أو لا تُعرف خواصه واستخداماته، فإن كل شيء يعود للدولة أصبح نهبا للصوص وغير اللصوص، الذين كانوا يختفون أمام واجهات اجتماعية زائفة صنعتها لهم مواقع لا يستحقونها، وعندما رفع عنهم غطاؤها، ظهروا على حقيقتهم فمارسوا ما لم يكن متوقعا أن يمارسوه، وعلى هذا فإننا نستطيع أن نتساءل عن أي غطاء رفع عن قدر العراق، لتظهر كل تلك الصور والمواقف المخزية التي أضحكت علينا شعوب الأرض حتى تلك التي تمارس الممارسات نفسها بل وأسوأ منها؟

ربما كانت المرة الأولى في تاريخ البشرية كلها من عهد أبينا آدم عليه السلام، التي تحتفل قوات غازية باحتلال بلد آخر ويتم نقل مراسم الفعالية تلفزيونيا إلى كل أنحاء العالم، ليعتصر المنظر قلوب الملايين من شرفاء العالم وأصحاب الغيرة والشهامة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تفاقم المشهد على نحو أكثر إيغالا في الجريمة ونزعة الانتقام، عندما شارك عراقيون لا يحملون من العراق إلا بعض وريقات، في حفل قتل بلدهم وطعنه بخناجر الغدر، وانطلقت عمليات سلب ونهب جماعية، نفذها سفلة القوم لم يشهد مثلها العالم، شملت كل ما يستطيع أولئك اللصوص حمله، كانت المشاهد تُعرض مباشرة من شاشات فضائيات عربية وعالمية، لتشكك بنظافة القيم التي سادت في ميزوبيتاميا منذ آلاف السنين، أهكذا هم العراقيون يُجردون العراق من رداء العفة الذي سترهم مئات القرون، فأخفقوا في ستر عوراتهم المخبوءة تحت أردية من ادعاء العفة والمتانة الزائفة؟ أهذه هي رائحة العراقيين الحقيقية؟ أهكذا تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة؟ ربما هناك حوادث أخرى أكبر مما حصل في بغداد في 9 نيسان 2003 وما بعدها، ولكن تلك الحوادث بنيت على روايات ربما تم تدوينها بعد أيام أو أسابيع أو أشهر بل وحتى سنين طويلة، وتقبل المبالغة أو الحذف في النقل تبعا لمشاهدات متفرقة، ثم إن الثروات العامة والخاصة في وقت وقوع تلك الأحداث كانت ضئيلة ولم تكن هناك وسائط النقل المتطورة والسريعة، التي توفرت للعراقيين يوم 9 نيسان لينهبوا بها كل ما أصبح مشاعا، وينقلوه إلى كهوف قراصنة البر.

ما جرى في ساحة الفردوس، كان الأمريكيون قد هيأوا له مسرح العمليات وجاءوا بالفضائيات الكبرى من أوربا وأمريكا واليابان واستراليا ونيوزيلندا، وكذلك تلك التي كان مراسلوها يغطون أحداث الحرب من بغداد، فتم نقل المشهد الحزين لحظة بلحظة، قد تتبادر إلى الأذهان فكرة أن الشعور بالخزي تفاقم لدى محبي العراق مما يشاهدون، نعم هذا صحيح، ولكنه يبقى ضئيلا جدا جدا إذا ما قيس بقوة الشعور بالمأساة عند كل عراقي شريف، أن يحصل هذا سواء عرضته الفضائيات، أم بقي وراء ستار عال من التكتم، ولقد أظهر الفساد الذي عاشه العراق صدق انتماء شطر من العراقيين “مهما كان حجمه ضئيلا” إلى صنف من البشر خارج على كل شيء جميل وأخلاقي أو يصنف على الإنسانية، ما حصل لا يمكن أن يعطيه أعظم علماء الاجتماع والنفس، الوصف الدقيق المتطابق مع حقيقة الازدواجية، التي يعيشها زاهد النهار وفاسد الليل، عابد النهار ولص ما بعد الغروب، حتى إذا أفسدَ الذممَ جعل من السطو والنهب والسرقة، ثقافة عامة وسلعة سائدة، يحاول بكل قوة فرضها على المجتمع وكأنها الصواب وغيرها هو الاستثناء.

المهم أن تُجرد الدولةُ من كل ما تملك من موجودات ومقتنيات، وما استعصى على النقل كان بعض اللصوص يعبثون به ويُتلفونه عن آخره، انطلاقا من إحساس راسخ في الشخصية العراقية المريضة، بأن ممتلكات الدولة يجوز إلحاق الضرر بها أو الاعتداء عليها، وهذا الإحساس تكون لدى فئة ضالة، لأنها كانت تعيش خارج الزمن وتعتبر الدولة معادية لها، ولا تمثلها بأي شكل من الأشكال، وكانت لها تطبيقاتها في كل الأوقات السابقة مثل التهرب من دفع الضرائب أو سرقة الماء والكهرباء، ولعل تحطيم الهواتف العمومية التي كانت الدولة تنصبها في مختلف شوارع بغداد وساحاتها العامة، كواحد من المظاهر الحضارية التي كانت الدولة تسعى لغرسها في المجتمع، يعد واحداً من الأدلة المهمة على طبيعة بعض العراقيين التي ترى في الحكومة عدواً وبممتلكاتها فيئا مباحا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *