فلتخرس كل الأصوات سوى تلك التي تدافع عن وحدة الحزب العضوية.

حسن خليل غريب

بداية أعتذر عن بعض الإطالة في هذا المقال، لأن غايته، من وجهة نظر شخصية، رسم رؤية للخلاص والانقلاب على ما يدور الآن في صفوف الحزب مما يعيق البعثيين عن متابعة دورهم التاريخي في معركة خلاص الأمة العربية. ولهذا أحسب أن الغاية من بعض الإطالة يستأهل الصبر في قراءة مقال طويل نسبياً.

ليس من جسم في الكون لا يُصاب بذاته من ذاته بأمراض أو علل. وقليلة هي الأجسام التي تحقن جهات من خارجها جراثيم فيه قصداً منها إعدامه ورؤيته ميتاً لأنه يعمل بالضد منها، ومن أهدافها.

وإذا كانت معالجة الجراثيم، الوافدة من الخارج، تتمُّ بتقوية جهاز المناعة في الأجسام، فإن الجراثيم المولودة من داخلها تبقى تحت سيطرة صاحب الجسم المصاب بها.

وإذا أصيب عضو واحد بمرض أو أعراض مرض، فيمكن لأعضاء المجموعة جميعاً أن تتكافل وتتضامن مع الجزء المعلول منه لمساعدته على طرد الجراثيم الغازية.

فلنتصور أن البعض يحسبون عكس ذلك، وقد يلجؤون إلى العمل من أجل بتر الجزء المريض من الجسد. وإذا تكرر علاج البتر لأجزاء أخرى من الجسم قد تُصاب بمرض، فسوف تكون النتيجة موت الجسم حتماً.

يُذكرني هذا المشهد، بالزوبعة التي يفتعلها البعض من البعثيين، التي تجري الآن على مساحة حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي، من مظاهر توحي للمشاهد من خارج أنها الإعصار الذي يكاد يقتلع الحزب من جذوره. كما يُخيَّل لمن يصطنعونها أنهم يقدمون العلاج لأمراض يعطونها صفة الخطيرة، لما يحيط بالحزب من مشاكل، أو شبه مشاكل نابعة من مخيلاتهم.

لا يتخيَّلن أحد أن جسد الحزب سليم معافى. وكيف لجسد أن يكون معافى وهو مهدد منذ نشأته لما يحيط به من عوامل داخلية، ولما هو مهدد به من عوامل خارجية. وليس هذا بالأمر الغريب، لأن ما أصاب الحزب، ولا يزال يصيبه، هو أمر طبيعي لاختلاف الشخوص وبيئتهم الثقافية. ولكن من غير الطبيعي أن يُصاب أعضاؤه باليأس من علاج الأمراض الداخلية على قاعدة الرعاية والوقاية وتقديم العلاج الملائم على قاعدة (إذا أصيب عضو بالحمى، تعاطفت معه سائر الأعضاء). والأكثر بؤساً هو في أن البعض منهم لجأوا إلى وسيلة البتر، ولا يزال البعض الآن يلجؤون إليه. والعلاج بالبتر مقتل وليس علاجاً.

إنني الآن، وبكل انفتاح وشفافية أتكلم مع من يقرأني، وليس مع من يقرأ لي، أفصح عما كان ينتظرني بعد عودتي عضواً عاملاً في الحزب، بمحض قناعتي وإرادتي، بدأت بكتابة مقال تحت عنوان: (لقد وجدت نفسي)، استطراداً لمقال لي نشرته سابقاً: (لقد وجدت الله). ولفتني أثناء إعدادي للمقال المذكور، مقال لجهة تزعم أنها (صقور البعث)، نقلت مشاهد من المؤتمر القطري للحزب في لبنان. بعضها حقيقي، وبعضها الآخر استنتاجات وهمية. والمثير والأشد أسفاً فيما جاء فيه، صوَّر للقارئ وكأن المؤتمر لا علاقة له بالقضايا المهمة التي قام بمناقشتها، خاصة أنها قضايا مصيرية، بل صوَّر المؤتمر وكأنه جماعة يشاغب البعض منها البعض الآخر. وقام بشخصنة فاقعة للمناقشات، وكأن الحزب تحوَّل إلى ميدان للصراع بين فئتين، الأولى قيادة مرتدة خارجة عن أصول النظام الداخلي، ففقدت تأييد القاعدة الحزبية. والثانية فئة اكتشفت انحرافات القيادة وهي تعمل على تنحيتها عن مواقعها، فاستفادت من فرصة انعقاد المؤتمر للقيام بدورها. ولقد بنت (قيادة صقور البعث) آمالاً كبيرة على ما نقله إليها (مخبر صادق) بأن سقوط القيادة بات وشيكاً.

بداية وقبل أن أستطرد بتوضيح موقفي في المؤتمر، أمام الذي تساءل عن اللغط الذي حصل بعدم ترشيح نفسي للقيادة، سأقوم ببعض التوضيحات حول مسألتين، وهما:

1-أستغرب تسمية من أطلقوا على أنفسهم بـ (صقور البعث)، علماً أن البعث ليس فيه صقور وحمائم لأن الجميع اعتنقوا ثوابت البعث وأقسموا على العمل من أجل تنفيذها. بل هذه ليست أكثر من ألعاب لفظية إنشائية، يُراد منها جذب من لا يجدون أنفسهم داخل حزب منظم له أصوله الفكرية والسياسية والتنظيمية. ومعظم هؤلاء من البعثيين الحقيقيين ولكنهم ممن لم يقفوا على حقائق الأمور، منها والأهم فيها، الالتزام بالضوابط التنظيمية. ولقد استباحت قيادة الصقور كل المحرمات التنظيمية وانتهكتها، ولعلَّ من أخطرها وسائل فايسبوكية مملؤة بالتحريض المقصود منه اجتذاب أكثر ما يمكن من المؤيدين، وهي ظاهرة لم تعهدها الأحزاب العقيدية المنظمة.

2-بغض النظر عن مصداقية نقل بعض وقائع المؤتمر، أو كذبها، أستغرب ممن سرَّب بعضها أن يكون بعثياً أقسم اليمين على المحافظة على أسراره. إن من أقسم على شيء وحنث بقسمه لن يكون إنساناً مؤتمناً في أسرته ومحيطه الاجتماعي، وهو سينقلب على (صقور البعث) أيضاً في أي لحظة من اللحظات. أليست الحقيقة في أنَّ: (من لا يلتزم بقسمه الحزبي ومن أهمها المحافظة على أسرار الحزب)، لن يلتزم بأية قيمة أخلاقية أخرى؟

لقد وجدت نفسي:

لقد كانت هذه المقدمة فاتحة لبعض ما كتبت فيه حتى الآن تحت عنوان: (لقد وجدت نفسي) لهدف صياغة رؤى شخصية شاملة حول شؤون الحياة مستنداً إلى تجربتي الفكرية والعملية. وبدأت بصياغتها من موقعي الجديد، موقع العضو العامل في الحزب، الذي اخترته بعد عشرات السنين من التجربة والاختبار والتفكير. ومن أجل الوصول إلى الحقيقة، كان يحدوني استخدام أصول السؤال الدائم، والنقد الممنهج، واختيار الأجوبة التي ترتاح إليها نفسي العاقلة.

وانتظاراً لاستكمال بعض حلقات المقال، أصبحت مرغماً لأستبق الأمور، وأخصص هذه الحلقة للإجابة حول سؤال ذاتي: (كيف وجدت نفسي داخل تنظيم البعث)؟ سؤال فرضه عليَّ بيان (صقور البعث) حول انعقاد المؤتمر القطري في لبنان.

تبياناً لتساؤل (منتهك الأسرار الحزبية)، الذي نقل بعض وقائع المؤتمر بطريقة مشوَّهة، ولكنه لم يستطع اكتشاف ما أرمي إليه بإحجامي عن ترشيح نفسي للقيادة، أجيبه بالتالي:

لقد سبق انعقاد المؤتمر اتخاذي قراراً ذاتياً أن أنتقل من موقع المسؤولية القيادية في لحزب إلى موقع المسؤولية في قاعدته الحزبية لأكثر من سبب ذاتي، ومن أهمها التقدم بالعمر، وإفساحاً في المجال أمام حق الجيل الجديد في الحزب لملء مواقع في القيادة الحزبية، خاصة أنه لديَّ مشاريع فكرية أريد أن أتفرغ لإنجازها. وتلك المشاريع، وإن كانت ذات علاقة بشؤون الحياة، لكن على أن يبقى الحزب بمهامه الفكرية والنضالية في القلب من مشاريعي المذكورة. وعلى هذا الأساس اتخذت قراري الذاتي بالانتقال من موقعي القيادي إلى موقع قاعدي، خاصة أن فيه استمرار لنشاطي الحزبي، بحيث أقدِّم ما أستطيعه مما توفره لي الإمكانيات الجسدية والفكرية.

وإن كان لم يتغير، ولا يجوز أن يتغير، موقفي من ثوابت الحزب، فالعطاء ليس محصوراً بموقع الإنسان، إذ تبقى المسؤوليات والواجبات ذاتها، فإن ما سيطوله التغيير هو الموقع. فالمحافظة على الثابت هو الذي يبقى ثابتاً، يستطيع البعثي أن يوظف إمكاناته سواءٌ أكان من الأدنى إلى الأعلى، أم كان من الأعلى إلى الأدنى. فالمحافظة على الهوية الفكرية، بحمايتها بالأسس التنظيمية تبقى لها الأولوية في انتقالي الجديد.

طوال ما يزيد عن ستين سنة من الالتزام في الحزب، لم يكن حرصي على ثوابته الفكرية والتنظيمية، تقليداً واستسلاماً. بل كان السؤال عندي طريقاً لليقين، وكان سُنَّة دائمة رافقتني طوال تجربتي في المجتمع أو الوظيفة أو الحزب. كما ظلَّ الجواب بعد اقتناع سُنِّة دائمة أيضاً.

لقد عرفني جميع من تعرفت إليهم، من القاعدة حتى القيادة، أنني ممن يتميزون بسمة النقد التي تتعلَّق بشؤون الحزب كافة، أحاور على طريقة أقول ويقولون، حتى أصل إلى يقين أن قناعتي أصبحت راسخة، فأتابع منهجي في العمل أو التفكير، من دون الأخذ بعين الاعتبار لا تهديد ولا وعيد. وإذا لم أصل إلى قناعة ذاتية، فألتزم بما توصَّلت إليه الأكثرية. ولكنني أتابع البحث عما يدعم وجهة نظري وموقفي من بعض القضايا الخلافية، فأكتب وأنشر من دون أية عوائق تنظيمية، وأقولها بكل شفافية لم أجد في القيادات المختلفة من حرمني من هذا الحق. كل ذلك، بقيت أميناً لقسمي الحزبي الذي رددته منذ أكثر من ستين عاماً ونيِّف.

على قاعدة القناعة تلك، حدَّدت موقفي من مستقبل موقعي في الحزب، هو أن أنتقل من مسؤوليتي في الموقع القيادي، إلى مسؤوليتي في الموقع القاعدي. وهكذا تغيَّر الموقع وبقيت القناعات ثابتة.

لم يكن إيماني بثوابت الحزب الثلاث: الوحدة والحرية والاشتراكية، إيماناً ثابتاً، من موقع تقليدي، بل من موقعي كباحث وكاتب في القضايا القومية، النظرية الفكرية أو العملية السياسية. تلك القناعة ولَّدت عندي سبعة عشر كتاباً منشوراً، وعشرات الدراسات والأبحاث، ومئات المقالات. فكان في كل إصدار يثبت عندي قناعة بأن في أهداف البعث ما يسدِّد الطريق لتحرير الأمة العربية من أوبائها الداخلية، ويحصِّنها من المشاريع المعادية. وازدادت قناعتي بعد أن أعلنت جهات ثلاث نزعاتها العدائية والعدوانية، الاستعمار والصهيونية والفارسية، وراحت تعمل على اجتثاث فلسفة البعث وحاضنته الاجتماعية، بأكثر الوسائل وحشية وتخلفاً.

عندما اتَّخذت موقفي الذاتي قبل المؤتمر، كانت آلياته ثوابت ثلاثة: إيماني بفكر الحزب واستراتيجيته أولاً، والتزامي بنظامه الداخلي ثانياً، واستمرار عطائي من موقعي القاعدي ثالثاً.

بعد شفافيتي بتوضيح ما خصني به (المخبر الصادق) من تساؤلات بعد المؤتمر، أود أن أتوجه إلى من يقودون (صقور البعث)، ويكتبون بالنيابة عمن قاموا بتضليله، وأقول لهم، ليس بوسائل التهريج يتم إصلاح ما في القيادات الحزبية من خلل. وليس بالاتهامات العشوائية والكاريكاتورية يمكن إقصاء من لا يروق لقيادة صقور البعث. وليس بمثل هذه الوسائل، يتم إنقاذ الحزب في أخطر مرحلة يتعرض إليها، خاصة بعد احتلال العراق.

-إن ما حصل في مؤتمر قطر لبنان، ليس فيه ما يدعم نرجسيتهم ويحكُّ على جروحهم ليبلسمها. فالحاكُّ والمحكوك إبنان ضالان عن طريق البعث، باستخدامهما وسائل تؤكد اعتماد نهج الشخصنة للوقائع. وهذا ما ظهر واضحاً من مسخهما لما جرى في المؤتمر بما في المسخ من عدائية لا تدل أبداً على أنها حريصة على حزب البعث.

-إن ما حصل في المؤتمر من نقد وتساؤلات، هو المسار الطبيعي لمؤتمر غايته الوصول إلى قرارات سليمة، تشكل خطة عمل للقيادة التي على المؤتمر أن ينتخبها. إن إعطاء الحق لكل عضو فيه بإبداء رأيه، هو شهادة للقيادة باستخدام الحد الأدنى من الديموقراطية. وإنما أن يتم تسجيل انفعال من هنا أو هناك، سواءٌ أكان من رئاسة المؤتمر، أو من الذين نالوا حقهم بإبداء الرأي، ليست هنة بل تحصل في معظم المؤتمرات. ولأن البعثيين ليسوا ملائكة أفلاطونيين، فمعظم الذين تكلموا كان الانفعال سمة من سماتهم. ويكفي ما حصل أنه حصل في مؤتمر داخلي يحق لأعضائه استخدام حق النقد لشتى المستويات القيادية. وعلى الرغم من كل ذلك أبى (المخبر الصادق) إلاَّ أن يخرجه إلى العلن وعلى صفحات الفايسبوك. فعل ذلك متنكراً لقسمه بالله وبشرفه أن يحافظ على أسرار الحزب، ووقائع المؤتمرات هي أحد تلك الأسرار. نقول ذلك على الرغم من أن (قيادة صقور البعث) اعتبرت اختراق المؤتمر من قبل من يتعاطف معها (شطارة) بالاختراق. هي (شطارة) نعم ولكنها موبوءة بالتنكر للقيم الأخلاقية. ولعمري هي نوع من الاختراق المخابراتي الذي لا أسس أخلاقية له. وهنا أستغرب إذا كانت قيادة صقور البعث تريد أن تدخل هذه الأساليب المخابراتية كنصوص في النظام الداخلي للحزب الذي تريد أن تقوده.

-سواءٌ أكانت الحوارات التي حصلت بين الرفاق الذين أخذوا حقهم بالكلام، الذي تضمَّن نقداً صريحاً، أو من قام بالتوضيح من القيادة، منفعلاً أو غير منفعل. سواءٌ أحازت على قناعتي أم لم تحز، فإنها كانت مما أثلج صدري ورسَّخ قناعتي بأن من سيتم انتخابه بدلاً مني أهلٌ للقيادة واكتساب الخبرة.

-لمن اعتبر أن المؤتمر غير شرعي، لسبب أن القيادة القومية ليست شرعية، من وجهة نظر القائل بها، كان عليه ألا يحضر المؤتمر. وهل يشكك بأنه لم يتم انتخاب أعضاء المؤتمر القطري، وهو منهم، من مؤتمرات الفروع بشكل شرعي؟ وهل كان عليه أن يوافق على تشريع الفراغ القيادي في القطر اللبناني؟ وعليه أن يجيب عن تساؤلنا: هل تغييب دور المؤتمر هو ما يريد أن يكون. وإذا غابت المؤتمرات، فهل يقول لنا، ما هي هوية الديموقراطية التي يريد؟

-إن الحرص على الحزب، إذا لم يستند إلى حماية وحدته التنظيمية، هو حرص كاذب. وهذا ما يقودني إلى التذكير بموقف الأم الحقيقية التي حكم القاضي بتقسيم الطفل بين أمين زعمت كل منهما أن الطفل هو طفلها. فرضيت الأم المزيفة بتقسيمه، بينما الأم الحقيقية رفضت القسمة، ورضيت بإعطاء الطفل إلى الأم المزيفة حرصاً على ولدها من الموت. ولما كانت أغراض (قيادة صقور البعث) تجميع ما يستطيعون تجميعه من البعثيين من أجل إعلان انشقاق جديد يُضاف إلى الانشقاقات السابقة، فكيف أقتنع بأنها حريصة على الحزب؟ خاصة وأنها لو كانت أمه الشرعية لم تكن لترضى بذلك، ولأعطته حتى إلى أم ليست شرعية.

-وأما بالنسبة للانطلاق من مسلمة أن القيادة القومية، والقيادات القطرية، والمؤتمرات التي تقوم بعقدها، ليست قيادات شرعية، فهي لعب على أسس النظام الداخلي. لقد نص النظام الداخلي على ضرورة وحدة الحزب أولاً، وقبل أي شيء آخر. وترك للمؤتمرات الحق بمحاسبتها عندما تتوفر ظروف انعقادها. ولأن من الصعوبة بمكان، التي قد تبلغ حد الاستحالة، أن ينعقد مؤتمر قومي. يصبح نظامياً القرار الذي اتخذته القيادة القومية بأن يتم إملاء الفراغ فيها بواسطة التعيين. خاصة أنها اتخذت معايير تكليف أمناء سر الأقطار كأعضاء في القيادة القومية. ومن المعلوم والمؤكد أن أمناء سر الأقطار هم منتخبون من مؤتمراتهم القطرية. وإذا كان من يشكك بشرعية تلك الانتخابات فليسوا بأكثر من مجموعات لم تلتزم بقرارات الأكثرية. والالتزام بقرار الأكثرية مبدأ من مبادئ الديموقراطية المركزية.

واستطراداً، ولمن يطالب بحل القيادة القومية تحت ذريعة عدم شرعيتها لأنها تمت بالتعيين وليس بالانتخاب. لهي دعوة عبثية إذا لم تكن دعوة ساذجة. فهي دعوة لإحداث الفراغ القيادي على المستوى القومي، وهذا الفراغ بحد ذاته يشبه من يطلق النار على رأس الحزب القومي الذي هو الضامن الوحيد لوحدة الحزب القومية. وإذا حصل الفراغ في الرأس القيادي القومي، يواكبه فراغ في شتى العوامل التوحيدية لحزب البعث، خاصة وأنه الحزب الوحيد الذي يمتاز بوجود قيادة قومية تحفظ وحدته على الصعيد القومي. وهنا نتساءل: هل (قيادة صقور البعث) لا تدري كم تعاني التنظيمات الأخرى التي تعتنق الفكر القومي من أزمات وضعف في أدائها لأنها تفتقد الرأس القيادي القومي الموحَّد؟ ألم يدروا أن سرَّ استمرار البعث يكمن في وجود قيادة قومية تحفظ للحزب في الأقطار العربية هويتها القومية؟

وأخيراً،

لقد عرضت تجربتي ورؤيتي أمام من يريدون الاستفادة من تجارب الآخرين. وعرضت قناعتي بالواقع الذي يتعرض له الحزب في أعتى مرحلة من الحقد والكراهية، وتالياً بقناعتي بحلول واقعية، أدعو كل الرفاق الذين كانت صورة الواقع والحلول مشوَّشة أمامهم، لكي يعودوا إلى أصالتهم البعثية متعالين على الجراح الشخصية التي تعرضوا لها، إذا كانت قد حصلت بالفعل. وأتوجه إليهم بنداء الحريص على وحدة الحزب الواعد كطريق لخلاص الأمة العربية، من أجل مراجعة لما يرتكبه البعض عنهم من أخطاء قاتلة لا تشكل خلاصاً لهم ولأمتهم.

وأنهي مناشدتي بالقول، إن تجارب الانشقاقات الكثيرة التي حصلت في السابق لم تعش أكثر مما يجب، فقد زالت كلها، وبقي الحزب حيَّاً يواجه الصعوبات بشتى الوسائل والسبل. أقول ذلك معتبراً أنه لا عصمة لأحد، وأن المبدأ الديموقراطي، طوال حياة الحزب لم تكن على أفضل ما يُرام، وعلى الرغم من كل ذلك، فهو قد واجه الصعاب ولا يزال، لسبب أساسي كان في المحافظة على وحدته التنظيمية.

إن وحدة الحزب التنظيمية مهمة مركزية، وهي التي تحفظ رأس الحزب من القطع، فعلينا أن نمنع قطعه أولاً، ومن بعده يمكننا العمل من أجل تجميله بتصفيف شعره. ولا تنسوا أيها البعثيون، أنكم لا تستطيعون تجميل شعر رأس مقطوع، كما تعمل (قيادة صقور البعث)، والذين تشملهم الدعوة إلى الخروج من النفق المظلم، الذي يعملون لإدخال أنفسهم فيه. وعندما يتلو كل منهم نقداً ذاتياً صادقاً، سيجدون أن الحزب بانتظارهم على مفارق وحدته التنظيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *