الخروج من قصور آيات الله(2)

نزار فاضل السامرائي

نحو الساعة التاسعة من مساء يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2002، الموافق 8 ذي القعدة سنة 1422 هـ، دخلت أرض العراق حافيا أي بعد أن خلعت حذائي الإيراني، من أرض الأسر في إيران، مع أكثر من 630 أسيرا عراقيا آخر، كنت قد قررت في آخر نقطة إيرانية وقبل دخولي نقطة الحدود العراقية، عدم دخول العراق الطاهرة بحذاء إيراني، لأنني لم أفكر للحظة واحدة أن أدنس أرض وطني بحذاء إيراني، لبلد يحمل موروثا متناسلاً من الحقد على العراق.

اتخذت القرار بعد تفكير وحوار صامت، أعرف أن الصليب الأحمر ومن تجارب سابقة بل وقريبة جدا، كان يلّح علينا سرعة العبور لئلا تكون سبباً للجانب الإيراني، الذي كان يبحث عن أي ذريعة من أجل تعذيب الأسرى، الذين استعصوا عليه في معسكرات الأسر، كما استعصى عليه وطنهم فقهرهم يوم 8 /8 /1988، كان رفاقي الأسرى يخشون تراجع الإيرانيين عن إتمام التبادل.

كانت درجة الحرارة طيلة الأيام القليلة السابقة، قد انخفضت إلى ما دون الصفر فتساقطت الثلوج غزيرة في إيران بلا انقطاع، فعبرت الحدود حافياً، حينذاك نظر إليّ من رآني على هذه الحال من حشود المنتظرين في المنذرية، على أنني ربما كنت مختلٌا عقلياً، أو مريض نفسيا، فتلك قناعة سادت لدى العراقيين، وثقافة تعززت في بعض أوساط الشارع العراقي عن أوضاع الأسرى في إيران، وظروفهم النفسية والصحية، نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له في معسكرات تفتقد ابسط الشروط الانسانية، انتابت الجميع مشاعر العطف والشفقة عليّ، وربما تمتم بعضهم بدعاء خفي “اللهم اشفه مما هو فيه”.

عزمت على ألا أدخل أرض العراق بحذاء إيراني، مهما قال الناس عني أو ظنوه بي، والحمد لله أن المطر الذي كان يهطل بغزارة قد غسل قدميّ مما علق بهما من بقايا الحذاء الإيراني، ما أحلى أن يُعَّفرُ ترابُ العراق قدميّ بعد فراق وشوق طويل.

عندما تطلعت إلى الحشود المتجمعة تحت المطر على جانبي معبر المنذرية، رأيت مشاعر الحزن والشفقة التي أحسوا بها على هؤلاء الأسرى شاحبي اللون والذين يرتجفون من البرد، مع مشاعر فرح غامر وصاخب انتاب من جاء في هذا الطقس الصعب، ليسأل عن ابنٍ ذهب للقتال ولم يعد، فترك وراءه أمّاً ثكلى مع أنه لم يمت فأماتها قبل أن تموت، وربما سيعود يوماً، ولكن كيف الوصول إلى معرفة مصيره بعد كل هذه السنين وهم يجهلون كل شيء عنه؟ أو أبٍ تركت السنون أخاديدَ على وجهه ومشاعره، أو زوجةٍ وفيةٍ صبرت طويلا من دون أمل يلوح في الأفق، فتجشمت عناء السفر لمسافة بعيدة عن بغداد أو من مدن أبعد، إلى نقطة الحدود العراقية المنذرية – خسروي، وتَحَمَلتْ البردَ والمطر، لتكتحل عيناها برؤية زوجٍ طال غيابه وغاب عن بيته الحنان والدفء بعد أن انقطعت أخباره، وشبّ الأولاد وهم يسألون عنه ليل نهار، وطال الشوق إليه فتحملت الأم أعباءَ الأبِ في التربية والحزم مع الأولاد، ودور الأم في تدفق الحنان كي لا يُوحشهم غياب الأب، مع المتاح من رعاية حكومية من دولة تعاني من حصار خانق، لتأمين الحياة الكريمة لعائلة أسرى الحرب والمفقودين والشهداء.

ترى لو أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أدت عملها على وفق ما رسمتها لها القوانين الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، بشأن معاملة أسرى الحرب، بل حتى نظامها الداخلي، هل عاشت عائلات عشرات الآلاف من الأسرى العراقيين، هذا المتراكم الهائل من القلق وهواجس الخوف والترقب، على أبنائها الذين ظلوا على لائحة المفقودين ولم يتحولوا إلى أسرى حرب رسميين لا في الوثائق العراقية، ولا في سجلات الصليب الأحمر، لأن إيران رفضت بإصرار عرضهم على اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على الرغم من أنهم كانوا أسرى يعانون من ظلم مركب، من سلطة آسرة ظالمة في تعاملها الوحشي معهم، وتضافرت معها وحوش بشرية، بعد أن  سلمت إيران هؤلاء الاسرى إلى عناصر خائنة يحملون جنسية العراق، كانوا إلى قبل أيام يشتركون معا في “القصعة” والملجأ وخندق القتال، فراحوا بعيدا في إيذاء رفاق الامس، لمجرد أن بعضهم خان الوطن، بعد أن فقدوا بوصلتهم وضعفوا أمام ضغط الإيرانيين، فأرادوا ارضاءَ الإيراني بنفاق رخيص، لإجبار أسرى  آخرين  على الالتحاق بقارب الخيانة،  كي يكونوا سواءً، عسى أن تخف عنهم كوابيس الشعور بالجبن وخيانة الوطن؟

وربما يكون السؤال بطريقة أخرى أكثر صوَابا، لو أن إيران سمحت للجنة الدولية للصليب الأحمر، بتأدية واجباتها على النحو المذكور سلفا، ولم تستخدم مصائر الأسرى لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة، هل احتاجَ أحدٌ من هؤلاء المعذبين، أن يقف كل هذا الوقت في طابور الانتظار الطويل ليعرف ما إذا كان مفقودهم حيا أم لا؟ أو ضمن دفعة الأسرى العائدين؟ بل لأوصلت المعلومات إلى عائلات الأسرى عن ظروف أسراهم، ومواعيد التبادل في توقيتات ثابتة، ولكنّ إيران ظلت تقول “نحن لا نعترف بالمنظمات الصليبية، لأننا نتعامل معكم معاملة إسلامية”.

وأخيرا لو كان الغرب بزعامة الولايات المتحدة التي صَدّعت رؤوسنا بأنها راعية حقوق الإنسان وزعيمة العالم الحر، قد سمحت بفتح الأجواء العراقية، أمام عملية نقل الأسرى بالطائرات لأسباب إنسانية فقط، بدلا من رحلة العذاب التي عانى منها هؤلاء الأسرى التعساء، فهل كان ذووهم يعانون كل هذا الشقاء بالتنقل والمجيء إلى المنذرية؟ والأسرى ينتقلون من المدن الإيرانية المترامية الأطراف للوصول إلى طهران ثم العبور إلى المنذرية؟

وجدتُ حشودَ المواطنين العراقيين الباحثين عن بارقة أمل تُعطيهم دفعةً إضافيةً من الصبر والانتظار سنة أخرى، أو أكثر لأبناء انقطعت أخبارهم في إيران، واقفين تحت مطرٍ وبردٍ، كانوا كلما سمعوا دفعة جديدة من الأسرى يتدفقون على منطقة المنذرية، علّهم يحصلون على معلومة عن أسير مفقود أو بارقةِ أملٍ، هذا في حال استحال مجيء الغائب الحاضر.

انهالت علينا الأسئلة من كل الحناجر والأفواه، ومن كثرة ما سمعنا من أسئلة بأصوات عالية حد الصراخ، أختلط فيها العويل مع هلاهل (زغاريد) النسوة اللواتي تحمّلن عناء الطريق الطويل، وبرودة الطقس وشدة المطر، وجئن من أجل أن تكتحل عيونهن برؤيةِ حبيبٍ، أو مشاركة العراقيين أفراحهم، لم يزعم أي واحد من الأسرى أنه التقط اسماً مما سَمِع، واقع الحال لم أكن أسمع شيئا مما كان يقذف على أسماعنا أبدا، على كثرة الأصوات المنطلقة من أفواه جائعة لبسمةٍ أو شفاه تيّبست من عطش الفراق، فقد تداخلت تأوهات الفرح بآهات الألم المرير، وتجددت المواجع لأبٍ كان يُمّني نفسه بوصول ابنه، أو أمّ لم تتمكن من حبس لوعتها، فنشرت عيونها على كل الطرقات، تنتظر ابنها، أو على الأقل تسمع خبرا عنه بأنه سيأتي ذات يوم ويمنحها راحة البال لما تبقى من العمر، يأتي محمّلا بمشاعر فاضت عن كل الشواطئ فملأت الوديان، أو زوجة ربما ترّملّت مبكرا وتظنُ أن هذا هو يوم النشور، حيث يُبعثُ الأموات من قبورهم، فأمّلت نفسَها بأنّ رفيق العمر سيستأنف رحلة العمر معها مرة أخرى، فيبعث الدفء في فراش أظناه هجران الحبيب، وليتعرف على أولاد شبّوا عن الطوق فلم يعد يعرف أنهم أبناؤه وهم لا يعرفون أنه أبوهم، بل تعاملوا معه بجفاء لأنه سلب منهم أمّهم في أول ليلة جاء فيها إلى بيتهم، جاءت وهي لا تعرف إن كان زوجها مازال حيّاً أو هو تحت التراب أو أصبح لحمه طعماً للجوارح في الأرض الحرام الفاصلة بين قوات البلدين المتحاربين، فالإيرانيون لا يدفنون من يُقتل من العراقيين في جبهات الحرب، فيتذرعون بأنهم لا يملكون الأطقم الكافية لمثل هذه المهمة.

بعد ذلك اخذتنا حافلات كبيرة من المنذرية إلى معسكر الجيش العراقي في جلولاء، وبدأت من هناك الاجراءات الإدارية واستحضارات نقلنا إلى بغداد، حبيبة الأمس واليوم وكل الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *