محمد مهدي صالح حمى العراقيين من جوع خلال جريمة الحصار الاقتصادي

هل ينجح في إدارة وزارة التجارة ويعيد للحصة التموينية بهاءها؟

محمد مهدي صالح حمى العراقيين من جوع خلال جريمة الحصار الاقتصادي

الأمم المتحدة عدّت نظام البطاقة التموينية الأكبر والأكفأ في توزيع المواد الغذائية في العالم

قضى 17 عاماً وزيراً للتجارة، وهي أطول مدة قضاها وزير منذ تأسيس الدولة العراقية إلى الآن

صالح عميداً لوزراء الاقتصاد والتجارة العرب في العام 2001

كان يمضي في مخازن (البطاقة التموينية) أكثر مما يمضي في مكتب الوزير وتعلوه الأتربة ويستريح جالساً على الأكياس المليئة بالحبوب

سلام الشماع- عمان

سلام الشماع

كلما جرى الحديث بين العراقيين عن الحصة التموينية ذكروا وزير التجارة الأسبق الدكتور محمد مهدي صالح الذي قعّد القواعد للبطاقة التموينية التي كانت موادها تصل إليهم بسلاسة.

ومنذ أن استبدلت الحصة التموينية بالمحاصصة الطائفية والسياسية بدأت مواد هذه الحصة تضمحل وتوزع بعض موادها شهراً وتختفي شهوراً.

كتب إليّ زميل صحفي من بغداد أن مواد الحصة التموينية تقلصت كثيرا، وأن أول ما غاب منها حليب الأطفال دليلاً على مدى (اهتمام) الحكومة بالأطفال!!!! ولم يبق من الحصة القديمة والتي كانت موادها تصل إلى حدود ٢٠ مادة سوى رز عفن وطحين  وسكر وزيت علماً أن هذه المواد الأربع متذبذبة، أي توزع كل شهرين أو ثلاثة فيعطون حصة واحدة من السكر والزيت، ومواد الحصة التموينية الحالية كلها من أسوأ المواد وبخاصة الرز، علما أن حكومة السيد مصطفى الكاظمي أضافت مادة جديدة (علبة معجون ) وأعادت مادة البقوليات فسميت الحصة التموينية بالسلة الغذائية محاولة لصرف المواطنين عن اسمها الحقيقي وهي التي رافقتهم طيلة سنوات الحصار العجاف، ويسمع العراقيين بهذه السلة في وسائل الإعلام فقط برغم أن مبالغ كافية خصصت لها ضمن موازنة ٢٠٢١ إذ لم يتسلم المواطنون، وهم في النصف الثاني من العام، هذه السلة.

يضيف الزميل: كانت الحصة القديمة، كما تعلم، توزع شهريا ولا تذبذب في التجهيز وهي تحوي الطحين والسكر والشاي  وحليب الاطفال وحليب للكبار والرز والصابون والمنظفات وشفرات الحلاقة والملح والزيت والبقوليات رغم آن العراق كان يرزح تحت الحصار الظالم الذي فرضته أمريكا وبريطانيا واستمرت في فرضة حتى احتلال تلك الدولتين للعراق.

يؤكد كلام زميلي هذا ما صرحت به النائبة عن محافظة صلاح الدين وعضو لجنة الخدمات النيابية منار عبد المطلب الشديدي، أن 70 بالمئة من الشعب العراقي تضرر جراء تأخر السلة التموينية وتقليص مفرداتها، مبينة أن “البرلمان العراقي أقر توزيع 11 مفردة في السلة التموينية لمواجهة صعود أسعار الدولار وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق وانعكاساته السلبية على أغلب شرائح الشعب العراقي التي تقتات وتعتمد على الحصة التموينية”.

وتابعت الشديدي، ان “ذلك يحدث منذ اكثر من 3 اشهر ولازالت مفردات التموينية بائسة ومتقطعة ورمزية لا تلبي اي احتياجات للشعب”، مشيرة الى أن “تأخر السلة التموينية وتقليص مفرداتها أضر بـ 70 بالمئة من الشعب العراقي”.

وبدأ تطبيق نظام البطاقة التموينية في العراق منذ عام 1991 التي أصبحت بمرور الزمن السلّة الغذائية للمواطنين، من أجل معالجة جانب من تأثيرات الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليه، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (661) لعام 1990.

وبموجب نظام البطاقة التموينية تتكفل الدولة بتوزيع الموادّ الغذائية الأساسية على المواطنين شهرياً، بما يسد جزءاً من حاجتهم، إلا أن مفردات البطاقة (الموادّ الغذائية المشمولة) تناقصت من عشر مواد على الأقل شهرياً قبل سنة 2003، إلى مادّتين أو ثلاث في السنوات الأخيرة، برغم ازدياد حدّة المشكلات المعيشية التي تزامنت مع الأزمة الاقتصادية.

إذا ذكر العراقيون الدكتور محمد مهدي صالح، فلأنهم لن ينسوا الإنجاز الكبير، الذي حققه وهو أنه أسس نظام البطاقة التموينية، بعد فرض الحصار على العراق مباشرة، وهو النظام، الذي كان له الدور الأساس في منع وقوع المجاعة في العراق خلال حقبة الحصار، التي استمرت قرابة الأربعة عشر عاماً بإرادة امريكية وبريطانية ولم يرفع إلا بعد ان احتلت تلك الدولتان العراق.

عدّت الأمم المتحدة نظام البطاقة التموينية الأكبر والأكفأ في توزيع المواد الغذائية في العالم، كما أوردت ذلك جريدة الواشنطن بوست الصادرة في 3 شباط ٢٠٠٣، التي قالت بالنص: (The Ration Program is regarded by United Nations as the largest and most efficient food -distribution system of its kind in the world).

يذكر المسؤول الأقدم لبرنامج الغذاء العالمي في واشنطن توربن دو Turben Due أن الخبراء الدوليين يعترفون بأن “نظام البطاقة التموينية هو الاكفأ في العالم.. إنه نظام مدهش.. لا يوجد نظام بديل للبطاقة التموينية، ولا توجد لدى الأمم المتحدة قدرة على استحداث نظام آخر يعمل بنصف كفاءة البطاقة التموينية التموينية، وإذا تعطل النظام لمدة شهر أو شهرين فستحصل كارثة إنسانية واسعة النطاق”.

ولكي يحيط العراقيون بشخصية وزير التجارة الأشهر في تاريخ العراق، نعرض أنه ينتسب إلى مدينة راوة، الواقعة على الجهة اليسرى لنهر الفرات، إلى الشمال قليلاً من مدينة عانة وهي تقوم على شريط ضيق من الأرض محصور بين الجبل والنهر يتراوح عرضه بين 200 إلى 800 متر، وراوة مدينة عراقية تتبع إدارياً إلى محافظة الأنبار بدرجة قضاء، وتبعد عن الحدود السورية الشرقية 100 كيلو متر، وتقع على مسافة 320 كيلو متراً غرب العاصمة بغداد، ومساحتها 5000 كيلو متر مربع.

كانت (راوة) تعرف، قديماً، باسم (الرحبة)، وهناك رأيان لإطلاق اسم راوة عليها، الأول يقول إن اسمها كان (الراوية)، وذلك لورود القبائل المحيطة بها والبدو إليها للحصول على الماء لهم ولمواشيهم، وكانت فيها (جرية)، وهي مجموعة من النواعير تعرف باسم جرية الراوي، فيما يذهب الرأي الثاني إلى أن هناك شيخاً جليلاً كان يروي القصص والأحاديث للناس فسميت المدينة بالراوي نسبة إلى هذا الشيخ.

ما يميز راوة أن سكانها يعودون إلى جد واحد هو السيد يحيى بن السيد حسون، الذي كان جده يسكن منطقة حديثة أو (بروانة) المقابلة لحديثة، قبل أكثر من 600 سنة، وهو حفيد السيد أحمد بن نجم الدين الجد الأعلى للراويين الذي يمتد نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، والسيد أحمد هو أخو السيد محمد جد السادة الحديثيين، وهما ولدا السيد نجم الدين هاشم المدفون في حديثة ومرقده معروف فيها، وقد ولد للسيد يحيى بن حسون، الذي كان يسكن في موقع راوة الحالي ولدان هما أحمد وحسان: وولد لأحمد عبد الله، وولد لعبد الله: سرحان وحسين وعبيد ومن سرحان تكونت عشيرة (السراحنة) وولد لحسين عبد الله الملقب بالساهوك ومنه تكونت عشيرة (السواهيك) التي ينتمي اليها وزيز التجارة والتي كانت تتولى ادارة ضريح الامام موسى الكاظم لمدة مئة عام ومن عبيد تكونت عشيرة (البوعبيد) أما حسان فهو جد الشيخ رجب الكبير الذي انحدرت منه عشيرة (الشيخ رجب).

والدكتور محمد مهدي صالح من عشيرة السواهيك، ولد في مدينة راوة بتاريخ 26 حزيران 1947، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في التخطيط الإقليمي (تخطيط اقتصادي اجتماعي) من جامعة مانشستر البريطانية في العام 1978، وهو، في مقتبل حياته، مارس التعليم، فعمل مدرساً في ثانوية الكفل، بمحافظة بابل في العام 1971، وفِي ثانوية المسيب في العامين 1972 و1973، وذلك قبل أن يلتحق بدراسة الماجستير في التخطيط الحضري والإقليمي في معهد الدراسات العليا للتخطيط الحضري والإقليمي بجامعة بغداد، وبقي لمدة عام في وزارة التخطيط، قبل أن يلتحق بجامعة مانشستر البريطانية ويحصل منها على شهادة الدكتوراه في التخطيط الإقليمي (تخطيط اقتصادي واجتماعي) في العام 1978، ومنح مقعداً لدراسة ما بعد الدكتوراه إلا أنه عاد إلى العراق للالتحاق بعمله في وزارة التخطيط.

شغل الدكتور محمد مهدي صالح وظائف عديدة ضمن نطاق اختصاصه الفني في وزارة التخطيط ومجلس الوزراء، فمن العام 1981 إلى العام 1985 تولى تدريس طلبة الماجستير في التخطيط الحضري والإقليمي بجامعة بغداد، وفي معهد التخطيط القومي للعامين 1980 و1981، كما عمل استاذاً زائرا في جامعة قطر في العام 1980 كخبير في التخطيط، وكان، في الوقت نفسه، يشغل وظيفة معاون مدير عام دائرة التخطيط الإقليمي في وزارة التخطيط ثم رئيس دائرة التخطيط الإقليمي (دائرة تخطيط المحافظات)، وبعدها عين رئيساً للدائرة الاقتصادية في ديوان الرئاسة، في العام 1982، ثم تقلد منصب وزير التجارة في الثالث من آب من العام 1987 وحتى وقوع الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان من العام 2003، وبذلك قضى مدة سبعة عشر عاماً في وظيفته نفسها وزيراً للتجارة، وهي أطول مدة قضاها وزير مستمر في وظيفته من دون انقطاع، منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1922 إلى الان.

في العام 1986 ترأس لجنة لمعالجة استيعاب الوجبة الأولى من موجة التعليم الإلزامي وتم إقرار إنشاء خمس جامعات مع تهيئة تنفيذها في العام  نفسه، هي جامعات الكوفة، بابل، القادسية، الانبار، وتكريت .

وأسندت إليه وزارة المالية، منتصف العام 1989 بالإضافة إلى وظيفته وزيراً للتجارة ليتولى إدارة وزارتين في آن واحد، وأصبح عضواً في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي للمدة، التي شغلها وزيراً للمالية، فضلاً عن تمثيله العراق في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية وفي مجلس الوحدة الاقتصادية العربية للمدة من العام 1987 إلى العام 2003، وأصبح عميداً لوزراء الاقتصاد والتجارة العرب في العام 2001، بعد تقاعد وزير الاقتصاد السوري الدكتور محمد العمادي، الذي احتفظ باللقب مدة طويلة بصفته أقدم وزير في المجلسين المذكورين.

حصل الدكتور محمد مهدي صالح، كذلك، على لقب زميل معهد التنمية الاقتصادية بالبنك الدولي في العام 1980، بعد مشاركته في دورة متخصصة عن التنمية الزراعية والتطوير الريفي، وقد تولى مهمة رئاسة الجانب العراقي في اللجان المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني مع الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي (ثم روسيا الاتحادية)، الصين، اليابان، البرازيل، الارجنتين، زامبيا، إيطاليا، فيتنام، إندونيسيا، الباكستان، إيران، ومعظم الدول العربية: الأردن، مصر، السعودية، قطر، الامارات، المغرب، تونس، وسوريا.

وخلال الحصار الدولي، الذي فرض على العراق وقّع اتفاقيات التجارة الحرة مع الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، وقطر، وهيأ للتوقيع على تلك الاتفاقيات على مستوى رؤساء الوزراء بين العراق ومصر، سوريا، لبنان، تونس، الجزائر، السودان، واليمن.

قبل غزو العراق، كان الدكتور محمد مهدي صالح من بين أركان النظام العراقي الوطني، الذين استهدفتهم وزارة الدفاع الأمريكية، إذ أدرجت اسمه ضمن قائمة الـ55 المطلوبين إليها بتهمة أسلحة الدمار الشامل واعتقلته القوات الامريكية المحتلة في 23 نيسان من العام 2003، أي بعد 14 يوماً من احتلال بغداد، وتم تسليمه مع معتقلين آخرين إلى الحكومة، التي نصبوها في العراق، في تموز من العام 2010 وأطلقت سراحه المحكمة الجنائية العراقية العليا ووزارة العدل العراقية في العام 2012 لعدم ثبوت تهمة عليه، بعد أن أمضى في المعتقل تسع سنوات.

بعد إطلاق سراحه، غادر العراق إلى الأردن ويعمل، حالياً، أستاذاً في الجامعة الأردنية، منذ العام 2014 يدرّس طلبة الماجستير في التنمية الدولية والتنمية المستدامة. وشارك في مؤتمرات دولية عدة ممثلاً عن الجامعة الأردنية في بحوث أعدها وقبلتها المؤتمرات، التي شارك فيها.

كتب عنه الصحفي العراقي الراحل صبري الربيعي، بمناسبة إطلاق سراحه من معتقله، يقول: “هذا الرجل عرفته عن قرب، يوم كان وزيراً مالئا لكرسيه الوزاري، كان يمضي في مخازن (البطاقة التموينية) أكثر مما يمضي في مكتب الوزير.. ولطالما شاهدته في تلك المخازن يتغبر بالأتربة، ويستريح جالساً على الأكياس المليئة بالحبوب.. كان يعرف كم هو وزن (تنكة) الدهن، وأي عدد من المواطنين تكفي؟.. هذا الرجل الذي شكل خلية من الموظفين المسؤولين عن (البطاقة التموينية)، الذين قلت في نفسي وأنا أتابع عملهم، ذات مرة (إن الله يحب العراقيين إذ قيض لهم مثل هؤلاء الموظفين)، ومسؤولهم المرحوم علي موسى، الذي شاهدته ليل أحد الأيام ينام على أريكة في مكتبه من أجل متابعة وصول مواد أساسية في البطاقة التموينية”.

 ويتابع: “محمد مهدي صالح، حمى العراقيين من جوع أراده أعداء العراق للعراقيين من خلال جريمة الحصار الاقتصادي.. لقد جال دول العالم، وانتزع من الكثير من الشركات المستغلة لمثل ظروف العراق، آنذاك، لقمة الشعب العراقي، هنيئة مريئة، الا من بعض الالتواءات في توفير مواد ثانوية محدودة، الا أن البطاقة على العموم كانت تصل إلى المواطن على الرغم من أن الكثير من الأسماء كانت مكررة ومزورة، وعندما سألته ذات مرة.. هذه الأسماء مكررة؟ نظر إليّ نظرة عميقة وقال: (وعلى افتراض أن أوراقهم صحيحة، كيف نحرمهم من الغذاء؟، ولربما كانت هناك التباسات في صحة أوراقهم؟)”.

ويقول الربيعي: “هذا الرجل كان وزيراً في عهد صدام حسين، الذي كانت فيه للدولة مهابة، ولكنه لم يتعال أو يحاول إظهار نفسه بما لا يليق برجل كريم المحتد والأصول.. لقد كان بإمكان وزير التجارة أن يذهب إلى المستوصف الرئاسي، الا أني شاهدته، ذات مرة، في المستوصف الحكومي في (حي الجامعة) يعالج أسنانه! وعندما أكرس هذه السطور للاحتفاء بحرية د. محمد مهدي صالح، فأني أحتفي بتأريخ رجل له من النظافة الشيء الكثير، نظافة اليد واللسان وعفة السلوك والأفق الفكري البعيد!”

2 thoughts on “محمد مهدي صالح حمى العراقيين من جوع خلال جريمة الحصار الاقتصادي

اترك رداً على إدارة الشبكة إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *