هل يحطمُ العراقُ موازينَ “بروكست “؟

إن المتتبع لما يحدث في العراق، وما تقوم به سلطة الاحتلال وأحزابها وميليشياتها، لا يجد كثيراً من الاختلاف بينه وبين قاطع الطريق “بروكست” الذي كان مولعاً بتجريد الناس من ثيابهم وأمتعتهم، ويضعهم على سرير من حديد، فإذا كانوا أطول منه قص أرجلهم، وإن كانوا أقصر شد رؤوسهم وأرجلهم بحبال ثم مد أجسامهم حتى يساوي بينها وبين السرير، وفي كلتا الحالتين النتيجة واحدة!

لم يكن بروكست راضياً عن تباين الناس، وحين أراد العدل بين الناس لم يجد بداً من تقصير الطويل وتطويل القصير، ولو كان عنده أسرة مختلفة الطول لأعطى كل رجل سريراً معادلاً لطوله، إلا إذا كان لا يملك إلا سريراً واحداً ثابت الطول، فاكتفى بهذه الطريقة البسيطة في المساواة بين الناس.

لقد ذكرتني أسطورة بروكست بما يجري إليه أمر العراق منذ 2003 وحتى الآن، وما تقوم به سلطة الاحتلال الأمريكي-الإيراني في الحكم بين الأشياء كالخير والشر، والوطنية والولاء للأجنبي، فهم لا يستحسنون من الآراء إلا ما ألفوه، ولا يصدقون من الأحكام إلا ما تعودوه، فإذا جاءت الأشياء موافقة لأهوائهم واعتقاداتهم وتعليمات أسيادهم تعصبوا لها، وإذا خالفتها أنكروها، لأن أهواءهم وعمالتهم تلقي على أعينهم حجباً يصدهم عن إدراك الحق.

 من العبث لا بل من السخف أن يتعصب المرء لموازينه القديمة وأن يتبعها اتباعاً أعمى، وأن يكسل أو يعجز عن إدراك التطور، وأن يزن الأشياء بميزان كميزان “بروكست”.

ما أكثر الذين لا يستطيعون أن يعملوا الفكر والروية لأنهم لا يمتلكونها، وإذا طلبت إليهم أن يطلقوا نفوسهم من عقالها لقيت عجباً عجاباً، فهي لا تنطلق من أسرها برهةً حتى تقع في الحيرة والارتياب، ولا تنجو من حيرتها وارتيابها حتى تعود إلى الأسر مرة ثانية، ومن تعود على السير متكلاً على غيره عجز عن المشي وحده في فضاء الفكر لعجزه عن التحرر من أهوائه وعمالته المألوفة وخوفه من النور وكسله عن الوصول إلى الحرية.

إننا نرى الكثير من أصحاب (بروكست) لا يزالون في زمننا هذا، فمنهم الجامد الذي لا يستطيع أن يعيش إلا بالتقليد، ولا يقدر أن يتحرر من سيطرة الماضي فهو يفضل المنقول على المعقول والإتباع على الإبداع ويجد في التقليد أمناً وسلاماً وفي الحرية خوفاً وشقاء.

ومن أصحاب (بروكست) الظالم الذي يريد أن يسخر الناس لإرادته العمياء، والعادل الذي لا يستطيع أن يبدل أحكامه بحسب الزمان والمكان.

ومنهم الصحفي والمحامي والسياسي الذي يبدل الحقائق فيجعلها خادمة لمصالحه، فقد تختلف رواية الصحف باختلاف ألوانها السياسية، ويدافع المحامي عن الحق كما يدافع عن الباطل، ويختلق السياسي الأكاذيب لإثبات مزاعمه.

لو بُعث (بروكست) من جديد في العراق لما وجد نفسه غريباً، ولعجب من تفنن سياسيي العراق في إتباع طريقته، فهؤلاء قد سبقوا بروكست في قطع الطريق بعضهم على بعض وصنعوا للشيء الواحد عدة أسرة، بعضها من (رصاص) وبعضها الآخر من (تواثي وسكاكين)، واختاروا لأنفسهم أسرة من خشب مسوس، أو من حديد صدئ أو من حرير ناعم، وفيهم من خلع السرير وعلق الحوار وفكك الموازين ولم يكتف بتخوين وقتل الناس، بل جردهم من أخلاقهم وأفكارهم وعواطفهم واتهمهم بالشر وفساد الأخلاق والشك وسوء الظن وطول الشقاء.

لقد جاء في الأسطورة أيضاً أن البطل (تيزة) قد ظفر على بروكست وقيده بقيود من حديد، ثم عامله بما كان يعامل به الناس من الظلم، فوضعه على سريره وقطع رجليه ومد جسمه حتى قتله وأنقذ البشر منه ومن مقاييسه.

ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا البطل، لقد كثر الظالمون وتغلب الباطل على الحق واستبد القوي بالضعيف والجاهل بالعالم والغني بالفقير حتى أصبح الناس أحوج إلى تحطيم موازين بروكست منهم إلى أي شيء آخر. متى يقوم هذا البطل وينفض الغبار عن عقول الناس فيحرق أسرتهم المسوسة، ويجلي الصدأ عنها أو يحطمها، وإنه لمن البلية أن تحتاج أسرة الناس إلى تحطيم وأن يفتقر إصلاح موازينهم إلى ثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *