ثورة تشرين بين خيار السلمية وخيار التحول إلى كفاح مسلح.

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس/ أكاديمي عربي من العراق

 يقع خيار التظاهرات السلمية في قمم أرجحيات شعوب العالم التي استقرت دولها على أنظمة ديموقراطية فيها حكومة تنفيذية وحكومة ظل وسلطة رقابة برلمانية فاعلة ويدير هرم الدولة مواطنون منتخبون يتسمون بالكفاءات القيادية العالية في الإدارة والاقتصاد والخدمات والتخطيط الاستراتيجي.

التظاهرات السلمية في هذه البلدان عادة ما تهز كيان الحكومات فتتخذ الإجراءات الضرورية الفورية لوقف التظاهر أو الإضراب لأنه يفضي إلى خسائر مادية ويضر باقتصاديات البلاد، ويؤدي أيضاً إلى الإضرار بالخدمات التي تقدمها الحكومة إلى مواطنيها. تنتهي الاحتجاجات السلمية في هذه الدول سريعاً ودون إراقة دماء ولا تضييق على الحريات العامة ودون مساس بصلة الشعب بالدستور والقوانين والتعليمات النافذة.

 والعراق لا ينتمي إلى هذه الدول لا من حيث دستوره الذي صاغته سلطة الاحتلال ولا من خلال السياسة القائمة فيه التي سنتها قوى الغزو والاحتلال، العراق منقوص السيادة إن لم نقل إنه فاقد للسيادة تماماً والعراق تحكمه عدة دول في مقدمتها نظام إيران وأميركا وبريطانيا، والعراق فيه الكثير من القواعد العسكرية الأجنبية للدول التي شاركت في الغزو، والعراق توقفت فيه التنمية والخدمات توقفاً تاماً، وإذا رأينا فيه تغييراً ظاهرياً فيكاد يكون نتاج النشاط الاستثماري الخاص فقط وجزء كبير منه يعود إلى إيرانيين فرس.

 في العراق أحزاب تابعة كلها تقريباً لدول الغزو والاحتلال ولدول أخرى تدفع المال ليكون لها يد في تخريب العراق وتمزيق النسيج الاجتماعي له، في العراق طائفية سياسية زرعت لتكون خنجراً في وحدة البلد وسيفاً في خاصرة سيادته واستقلاله والطائفية السياسية وجدت في المحاصصة ضالتها وفرصتها لتحقق مكاسب مادية لزعاماتها وانتهت هذه الأحزاب إلى قناعة نهائية مفادها: البقاء في ساحة التنافس على السلطة وضمن محاورها واستقطاباتها يتطلب أن يكون لكل حزب ولكل جهة ميليشيا مسلحة تحمي الزعامات وتقتل من ينتقدها من الشعب.

 العراق لا تحكمه حكومة لكي تضغط عليها التظاهرات والاعتصامات والإضرابات، بل تحكمه سلطة احتلال وميليشيات مجرمة، والعلاقة الوحيدة المنظورة بين شعب العراق وسلطة الاحتلال والمليشيات هي علاقة الخوف والإرهاب والتنكيل.

أهداف تأسيس المليشيات:

أنشئت المليشيات للحفاظ على العملية السياسية، وعليه فإن أي فعل جماهيري ضد العملية السياسية ستتصدى له المليشيات بكل السبل المتاحة لها، ومن بينها استهداف الجماهير بقوة السلاح.

ومن بين أهداف انشاء المليشيات حماية أحزاب العملية السياسية وخاصة الأحزاب الإيرانية والحفاظ على مواطئ أقدام الاحتلال الإيراني للعراق ومن يهدد الاحتلال الإيراني وأذرعه من العراقيين بأية طريقة كانت يصبح هدفاً للقتل من قبل المليشيات.

لإطلاق المليشيات أيضاً علاقة مباشرة بحماية الفساد والفاسدين والسيطرة على عمليات تهريب النفط والآثار والاستحواذ على العقود الوهمية والرواتب الفضائية والدخل الذي تحققه مداخل ومخارج العراق الحدودية.

هل ثورة تشرين سلمية:

نعم هي ثورة سلمية مباركة، وبأهداف وطنية نبيلة عظيمه سامية، وسلميتها مصممة ومقصودة طبعاً لتجنب التصادم بقوة الاحتلال وميليشياته ولإظهار إرادة الشعب برفض العملية السياسية والفساد والمحاصصة والطائفية مما يخلق رأياً عاماً محلياً وعربياً ودولياً يتعاطف ويتفهم معاناة شعب العراق المهولة والآثار الكارثية التي تركها الغزو والاحتلال على العراق وطناً وشعباً.

لكن:

لأن السلطة وميليشياتها لا تؤمن بحق الشعب في التعبير عن إرادته فقد تصدت للثورة وللثوار بالسلاح وبالمؤامرات وبالاختراق، وعليه فإن من الصعب أن نطلق على ثورة تشرين سمة السلمية لأنها عملياً مصاحبة لقتل الثوار وإحداث عاهات جسدية لهم وتعذيبهم واعتقالهم ومطاردتهم وتغييبهم، نتائج الثورة إذن ليست سلمية.

ومن جهة أخرى فالثورة استمرت أكثر من سنة ونحن لا نعرف أو لا نعلم ثورة سلمية تستمر على هذا المدى الزمني الطويل والذي لا زال مفتوحاً على مصراعيه لمزيد من الاستطالة ولمزيد من الدماء والمعاناة.

 غير هذا …. يرتفع سؤال علمي منطقي مضمونه: هل ستتوقف عمليات قتل الثوار واستهدافهم؟

الجواب تفرضه الساحات والأحداث، وهو بالنفي طبعاً، قتل الثوار واستنزاف قدراتهم مستمر ويتصاعد، والقتلة محميون والمليشيات تؤدي الأدوار التي أنشئت من أجلها ليس في مدن الثورة في بغداد وجنوبها فقط بل بعمليات قذرة على مدن الثورة العراقية الأصيلة في غرب وشمال العراق لقطع الطريق على أية فرصة لانتشار الثورة ولاستغلال ظروفها لتنفيذ أجندات الإبادة الطائفية لسنة العراق وإحداث تغييرات طوبوغرافية يقتضيها الاحتلال الفارسي ومشروعه الإمبراطوري الكهنوتي القائم على نظرية احتلال الأقطار العربية.

خلاصة الفهم والإدراك العميقين والتي أعلناها مراراً وتكراراً إن الثورة تستنزف وتخترق وتستثمر من قبل أحزاب العمالة والخيانة والمليشيات لتوسيع قوتها وسطوتها الإرهابية وتعميق اليأس والإحباط والقنوط عند الشعب الثائر.

لذلك نرى أن تتشكل أذرع عسكرية مسلحة للثورة مع استمرار مظاهرها السلمية بهدف حماية الثوار، ولاستهداف رموز الخيانة من سياسيين وزعماء ميليشيات اقترنت أسماؤهم وسجلاتهم بالغزو وغرقت كياناتهم بدماء العراقيين وبصيغ حرب عصابات تعتمد صيغ الانقضاض والتنفيذ السريع، وربما من بعد، والانسحاب دون مواجهة مع قوات السلطة والمليشيات التي تمتلك قدرات تسليحية كبيرة.

إن العمل العسكري المنظم سيرفع من احتمالات تقليص تضحيات الثورة ويقلص الزمن المطلوب لتحرير العراق.

على الجميع مغادرة التوقف عند هواجس ومخاوف الحرب الأهلية فحرب التحرير تقتضي التضحيات وتستحقها. ومغادرة الموقف المشبوه من أن العراق قد تحرر، وأن من يقودون البلاد هم عراقيون، فالحقيقة كل الحقيقة إن هم إلا خونة عملاء مأجورون يخدمون الاحتلال الفارسي، وهم ليسوا شيعة ولا مسلمين، فالخائن ليس له دين ولا مذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *