“القمع الفكري وأثره في كتابة التاريخ ” جديد مركز البراق للدراسات والبحوث والتوثيق.

خاص

أصدر مركز البراق للدراسات والبحوث والتوثيق الجزء الأول من دراسة بعنوان

” القمع الفكري وأثره في كتابة التاريخ “

للأستاذ نزار السامرائي

تتناول الدور الامبريالي الصهيوني الإيراني في زعزعة استقرار المنطقة من خلال تدعيم ونشر الفكر السياسي الشيعي الصفوي الذي أدى إلى خراب المنطقة العربية وتفتيت العراق على أساس طائفي بغيض.

وتناولت الدراسة أيضاً الدور الاحتلالي الأمريكي البريطاني في تسليم العراق بعد غزوه للعدو التاريخي له وهي إيران الصفوية.

كذلك التوافق والتطابق في الوسائل والأهداف بين الصهيونية والمجوسية الفارسية تجاه الأمة العربية عموماً والعراق خاصة، لما يشكله العراق من سد منيع في وجه المؤامرات التي تحاك ضد الأمة.

وتتضمن الدراسة :

القمع الفكري وأثره في كتابة التاريخ

(عندما أرى ما تفعله المعارضة العراقية مع الأسرى العراقيين أشك في وطنيتي.)

(هاشمي رفسنجاني)

استكمل الغزاة الأمريكيون والبريطانيون ومعهم قوات من دول حلف الأطلسي ومليشيات من الخونة العراقيين كانت إيران قد دربتها وهيأتها بالتنسيق مع دول العدوان، استكملوا آخر صفحات الغزو وذلك باحتلال بغداد وإسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس، يوم 9 نيسان/ أبريل 2003، ومن مفارقات هذا التاريخ، أنه هو اليوم الذي تم توقيع أول معاهدة صداقة وتعاون استراتيجي بين العراق والاتحاد السوفيتي السابق عام 1972، مما يعطي درساً بليغاً لكل دول العالم بأن الأمن الاستراتيجي لا يتحقق بتحالفات خارجية غير متكافئة، وأن سيادة الدول الصغيرة ووحدة أراضيها تحققهما هي لوحدها اعتماداً على جملة عوامل إذا ما أحسنت استخدام طاقاتها البشرية والاقتصادية على الوجه الأكمل، أي أن الأمن الذاتي لا يوازيه الأمن المجلوب من الخارج مهما اشتملت الضمانات التي تعرضها الدول الكبرى من وعود وإغراءات.

فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون كما يقال، فمن هو المنتصر في العراق في عدوان 2003؟ هل هم الأمريكيون؟ إذا كان لهم تاريخ يكتبونه عن هذه الحرب، فإن الأمر لن يتعدى كيفية التحضير للملفات السياسية التي لفقتها المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية، ثم التنسيق الذي أجرته مع بعض الدول العربية التي وضعت تحت تصرف الغزاة الأموال اللازمة وفتحت لها حدودها للتحشيد لشن العدوان، وسلمتها قواعدها البحرية والجوية وممراتها المائية، وكذلك لن تكتب أكثر من تفاصيل المعارك التي اشتبكت خلالها القوات الأمريكية منذ ليلة 19 على 20 آذار 2003 حتى 9 نيسان، وما واجهته من مقاومة ضارية في أكثر من جبهة، ولكن فارق القوة والقدرة على تعويض الخسائر مكنّها من

التقدم نحو بغداد حتى احتلتها بعد معارك استخدمت فيها اليورانيوم المنّضب وخاصة معركة مطار بغداد الخالدة، ثم ما أعقب الاحتلال من فعل مقاوم امتد من ذلك اليوم حتى تمكّن الغزاة من زرع فتنة صحوات الغدر السنية، التي لعبت أقذر الأدوار في الإجهاز على المقاومة الوطنية المسلحة التي كبدت الأمريكان خسائر فادحة أعادت للذاكرة الجمعية الأمريكية مآسي الهزيمة الأمريكية في فيتنام، ويعترف قادة عسكريون أمريكان أن الصحوات كانت بمثابة قارب نجاة لهم من المأزق الذي تورطوا فيه.

أم كان الإيرانيون هم المنتصرين؟

الإيرانيون تاريخياً أجبن من أن يتورطوا في حرب مباشرة مع العراق وجهاً لوجه، لا سيما وأن سجلهم التاريخي يذكّرهم دائما بثلاث هزائم منكرة مع العراقيين أو كان للعراقيين الدور الأبرز فيها، تبدأ بمعركة ذي قار ثم معركة القادسية التي قوضت أركان الإمبراطورية الساسانية في عهد الخليفة الفاروق رضي الله عنه، أو القادسية الثانية (قادسية صدام) التي جرّعت الخميني كأس السم باعترافه هو، لذلك لا يمكن أن يعتبر أحد من المؤرخين إيران من المنتصرين في حرب لم تخضها بأي قدر من المقادير.

إذن من هو المنتصر في هذه الحرب ومن هو المهزوم؟

باختصار شديد المهزوم في الصفحة الأولى من المنازلة كان الشعب العراقي الذي تضافرت عليه تحالفات قوى الشر من الجهات الأربع ولكنه سرعان ما استعاد ما يختزنه من عزم فانطلقت أسرع مقاومة عرفها شعب من الشعوب، وبدأت تنشر الموت في صفوف المحتلين في مواجهة غير متكافئة ولكنها كبدت العدو المحتل فوق ما يتصور من خسائر، فبعد أن تجرّعت الولايات المتحدة وبريطانيا ذل هزيمة ما كان بإمكانهما تصورها في أي ظرف، لجأتا إلى سلاح الاستعمار القديم، وهو الثأر من الشعب العراقي بإثارة الفتن الدينية المذهبية والعرقية، ولهذا فقد عاش العراق منذ ذلك الوقت أكثر حقبه التاريخية سواداً ورعباً وقمعاً، مارسته مليشيات مسلحة نفذت مهماتها على مرحلتين، الأولى بدعم مباشر من سلطة الاحتلال أو بدعم معبرٍ

عنه بصمتٍ وبغضِ النظر عن جرائمها التي كان معظم ضحاياها من الأفراد أو الجماعات التي لا صلة لها بالعمليات الحربية، أو المؤسسات الحكومية، فغرقت الدولة في مستنقع الفوضى المنظمة التي خطط لها المحتلون الكبار وأوكلوا مهمة الإشراف عليها إلى الوكلاء الصغار.

كان القمع السياسي والفكري وتسخير موارد السلطة من سلاح وأموال، على مر العصور أهم الأسباب التي أدت إلى إشاعة أجواء الهلع الفردي أو الجمعي وإظهار ما لا يخفي من القناعات، حتى تحول السلوك السائد سلوكاً منافقاً يسعى لقلب الحقائق وتزييفها وخاصة في مجال تدوين الأحداث الجارية بحيث يدخل عليها الغرض السياسي، فتقلبُ الحقائق التاريخية التي يجب أن تسرد كما هي من دون إضافة أو حذف ثم يترك أمر تفسيرها للمهتمين من باحثين أو مؤرخين، وإذا كان القمع سببا في طمس كثيرٍ من الصفحات التي يراد طمسها وتجاوزها من التدوين، فإن التاريخ العربي هو الأكثر تعرضا للأهواء والأغراض في تدوينه، بسبب التباين الحاد بين توجهات السلطات التي تعاقبت على حكم الدولة العربية الإسلامية من نهاية حكم الدولة الراشدة بل حتى في السنوات الأخيرة من حكمها، والذي كان يصل حد الصدام المسلح، فقد تنقّل الحكم بحد السيف بين تلك الدول وهذا ما فرض وجهات نظر المتصدين للحكم على التدوين والفقه والأدب، إما نتيجة القمع الذي كانت تلك السلطات تمارسه فعلا، أو نتيجة نزعة البعض نحو الكسب والتقرب من السلطان بصرف النظر عن المواقف السياسية.

قلت في بداية المقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون وهذا حكم عام وهو صحيح ولكنه لا يصح في كل زمان ومكان، ففي العراق، مما مرّ على الأمة من أحداث، يمكن أن نتعرف على مدونات في تاريخ التشيّع يُنظرُ إليها كمسلماتٍ مقدسة، وهي تفتقر إلى الدليل العقلي، وتمكّن الإلحاح الفارسي في التدوين والخُطَبْ من خلال تكرارها من تحويلها من مجرد روايات مرسلة إلى حقائق ثابتة، بل فرضت نفسها على الشارع العراقي وكأنها لوحدها التي تحمل المصداقية وما عداها مجرد حكايات من دون دليل، فمن أين جاءت وكيف تسللت إلى كتب التاريخ وكأنها استعارت العبارة الاقتصادية المشهورة “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من

السوق”، فإذا كان الشيعة يقولون إنهم مظلومون عبر التاريخ الإسلامي فكيف مرّروها إلى المدونات التاريخية إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون فقط؟

نعرف أن الشيعة لم يتسنَ لهم الوصول إلى الحكم بمنهاج التشيّع المعروف في الوقت الحاضر بتفاصيله وممارساته، حتى أثناء خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتي استمرت لخمس سنوات تقريبا، ومع ذلك فإن التاريخ الذي كتبه المدونون الشيعة خلال أربعة عشر قرنا قد خضع لأكبر عملية تزوير عبر العصور، كما لم يحصل في تاريخ أية أمة أخرى، ولنضرب أمثلة على أهم الأحداث التي كتب تفاصيلها مدونون شيعة أخذوا صفة المؤرخين بمرور الوقت لما أضفاه عليهم أتباعهم من هالة الصدق والدقة والأمانة في تثبيت أحداث عاشتها الأمة، ولعل أبرزها:

أولاً: موضوع غدير خم وما نُسب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من أنه أوصى لعلي بن أبي طالب من بعده بالولاية، وهذا لا بد أن يطرح تساؤلات ملحّة ما زالت تتردد على الألسن منذ 1400 سنة من دون أن تجد لها إجابة وافية.

 هل تمرّد المسلمون على ما قاله لهم نبيُهم الذي كانوا يطيعونه حتى في الإقدام نحو الموت إذا ما أمرهم به، وبمجرد انتقاله إلى الرفيق الأعلى انقلبوا عليه، واختاروا شخصاً آخر كخليفة للمسلمين من بعد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟

هنا يطرح سؤال منطقي هل كانت كلمة أبي بكر الصديق أمضى عند المسلمين من أمرِ النبي الكريم، ذلك أن أبا بكر أوصى بالخلافة من بعده لعمرَ بن الخطاب فأذعن المسلمون لأمره أو أطاعوه عن طيب خاطر، فكيف نجد تفسيراً لهذا التناقض الذي يحمل إساءةً بالغة لمكانةِ النبي الكريم؟ ما لكم كيف تحكمون؟

ثانياً: حديث الكساء، ومن هم المشمولون بحكم الآية الكريمة (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فقد ظل الشيعة يؤكدون أن المقصودين بحكم هذه الآية هم (علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وأولاده منها)، في حين

أن تدفق الصور العقلية في الآيات الكريمة من سورة الأحزاب لا يترك أدنى مجال للشك في أن المقصود بها هن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطهرات من الأرجاس.

ثالثاً: ما جاء في خطبة الرسول الكريم في حجة الوداع (فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وسنتي)، وهنا يدخل التزوير الشيعي فيلغي كلمة سنتي ويضع بدلاً منها “عترتي أهل بيتي”، هنا لا أريد أن أخوض فيما خاض به الأولون، ولكنني أقول شيئاً واحداً:

من هم أهل بيت النبي؟ ومن منهم ما زال على قيد الحياة كي نرجع إليه للتعرف منهم على أمور الدين والدنيا؟ وإذا كان المقصود من هذا النص تراثهم المكتوب في كتب الشيعة المعتمدة فمن هو الأولى بالإتباع؟ تراث النبي صلى الله عليه وسلم أم تراث أبناء علي من أئمة الشيعة الاثني عشر؟ أم أن تحريف النص كان يهدف إلى ُتكريس سلطة ما يسمى بالسادة من رجال الدين الشيعة على أتباعهم وما يتبع ذلك وخاصة بالسطو على جهدهم باستيفاء الخُمس؟

رابعاً: ما رافق معركتي الجمل وصفين من سرد من كل طرف على ما يشتهي، بحيث أدخلوا المؤرخين في حيرة والتباس لم يتمكنوا من الخروج منه حتى اليوم، لا بل أدخلت العصبية المرتدية ألبسة دينية إلى جانب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مستندة من قرابته من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، سُلَّماً للقفز فوق حقائق ما حصل، وفي الجانب الآخر أي الذين نقلوا وقائع المعركة كما حصلت أو الذين انحازوا إلى جانب معاوية بن أبي سفيان، فقد نقل المدونون صوراً مغايرة تماماً لوقائع المعركتين، ورسم المدونون وخاصة في القرنين العشرين والواحد والعشرين صورة ما حصل انطلاقاً من عصبية متطرفة، حيث ارتدى التشيعّ طابعاً متعصباً وقمعياً من خلال تبني إيران خميني له، وتكفير كل من لا يأخذ بتفسيرهم أو حتى قراءتهم للتاريخ، مما أشاع أسوأ أنواع القمع الفكري والسياسي والعقائدي المدعوم بالإرهاب المسلح الذي تتبناه فصائل مسلحة أنشأها النظام الجديد في إيران بعد وصول خميني إلى السلطة في 11 شباط 1979.

خامساً: ولعل ما حصل في واقعة الطف والتي استشهد فيها الحسين رضي الله عنه على أيدي عشائر ورطته بالمجيء إلى العراق ثم خذلته كما خذلت أباه وشقيقه الحسن رضي الله عنه من قبل، ما يَحكي صوراً من مأساة كتابة التاريخ، فقد تحول سرد تفاصيلها إلى تراجيديا من الأدب الشعري أكثر مما هو سرد للحقائق، وهنا برز غلو العراقيين في تعاطيهم مع ما كل يمر بهم من أحداث.

اللافت أن أحفاد قتلة الحسين مازالوا يعيشون في الكوفة وكربلاء والنجف وما جاورها، ثم تحولوا إلى مطالبين بالثأر من قتلته ولكن ليس في موقع ألطف بل في نينوى والأنبار وصلاح الدين، تلك هي الصفحة المأساوية المرة التي ما زال التاريخ العربي الإسلامي يدفع أثمانها الباهظة بين مُتاجرٍ بها عن غير وعي وإدراكٍ، وبين حزين صادق في حزنه لما حصل لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تُرعَ له مكانتُه من النبي الكريم.

ولعل أكبر مفارقة في تلك المأساة أن مرتكبيها هم من أقرب خاصة علي بن أبي طالب في حروبه المختلفة، ولكن كان للمزاج العراقي المتقلب دوره في رسم صور التراجيديا الحسينية.

ما عاشته الأمة من صراعات سياسية وفكرية ونزاعات مسلحة منذ 1400 سنة، بدا وكأنه تجمّع في سلة واحدة واختار العراق أن يحتكر استيراده أكثر من أي مكان آخر في العالم، فأعطى نفسه حق النيابة عن مسلمي العالم أجمع، ليحمل عنهم عبء المتراكم من الأزمات والمحن الناجمة عن خلافات قديمة ومستحكمة عجزت الأجيال السابقة من مفكرين وعقلاء وعلماء عن حلّها، وأدت إلى نزاعات وصراعات دموية لم يعشها أحد من الأجيال المعاصرة ولكنها سيطرت على مشاعر الجيل الحالي أكثر مما عاشها أصحابها الأصليون، وتفجّر ذلك الخزين كلُه دفعة واحدة خلال فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، فلقد حفلت هذه الفترة الوجيزة بأكبر قدر ٍمن التعاطي المغرض مع التاريخ العربي الإسلامي من قبل معممين جهلة و”رواديد” لا هم لهم إلا كسب المال على قدر نجاحهم في صناعة الحزن

الجمعي والنواح وانتزاع دموع عراقيين مجبولين على التفاعل مع الأحزان أكثر مما يعرفون طقوس الفرح والأمل دموع تبحث لها عن أي سبب لتهطل بغزارة، فأعاد متصدرو المشهد طرح الصراع بإضافة مجلدات إلى ما حصل في القرن الأول الهجري بصور تراجيدية معاصرة اقتبسوها مما تعلّموه من القاموس الفارسي الزرادشتي.

وواقعة السقيفة المعروفة بعد رحيل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى والتي أسفرت عن مبايعة الصديق أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة، وقراره التاريخي بمواجهة حروب الردة التي كادت أن تعود بالعرب إلى جاهليتهم الأولى، ثم وصية الصديق بالخلافة للفاروق عمر بن الخطاب عندما حضره الموت، وعهد عمر بن الخطاب بعد أن طعنه الفارسي أبو لؤلؤة وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر في المسجد النبوي الشريف، لمجلس الشورى لاختيار الخليفة من بعده والذي اختار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم واقعة اغتيال ذي النورين والتي كانت إيذاناً ببدء الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام، ثم استخلاف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أحداث باتت هي وما أعقبها من أزمات متناسلة بدأت بمعركة الجمل وحروب الخوارج ومعركة صفين ثم انتقال الحكم إلى الدولة الأموية، زاداً يومياً لألسنة تبحث عن فقه الاختلاف أكثر من بحثها عمّا يوحد كلمة المسلمين وراء كلمة التوحيد، كل هذا الحمل الثقيل من الوقائع والافتراء على التاريخ، فتقّت ذهن العراقيين المعروفين بغلوهم في الولاء والبراء في الحب والكراهية، على إضافات تاريخية لم يعرفها الأولون وتم حذف كثير من صفحات الصفاء في التاريخ العربي من وقائع مؤكدة.

وكان حجب الخلافة عن علي بن أبي طالب على ما يقول الشيعة في أدبياتهم، محوراً لتاريخ متصل من الصراع مع أنه حدث مضى وانتهى في وقته، ومحطة لإنتاج أزمات متواصلة وأخذت بعدها المأساوي في استشهاد الحسين رضي الله عنه في واقعة ألطف في عاشوراء، وربما كان حجم التحريف الذي تعرض له تاريخ الواقعة منذ 2003 وحتى الآن هو الأكبر، حتى وصل إلى أن نوري المالكي قال أثناء التحضير لمعركة ضد “داعش” في المحافظات السنية، (إن المعركة بين أنصار الحسين وأتباع يزيد) وجعل من ذلك الشعار منهاجاً لغلاة الشيعة في سلطة الأمر الواقع في العراق، فهل لمعركــــــــــــــة ألطّف امتدادات تتجدد كلمـا رأى

مسؤول سياسي فاشل أن مصلحته تقتضي استخراجها من كتب التاريخ وإقامة متاريسها وإعداد أسلحتها في المكان الذي اختاره لها؟ لقد كان هذا التوظيف هو الأسوأ مما حصل في الماضي والحاضر معاً، فهو الأكبر من بين كل التصورات والحكايا التي نُسجت بدقة لتنتزع البكاء وجلد الذات ولتستثير الأحقاد والضغائن وتنشر الفتنة والاقتتال بين المسلمين، فقد حصل تزوير وأضيفت مشاهد وأساطير وخرافات إلى الواقعة، كان الشيخ أحمد الوائلي وعدد من ذوي الغيرة والحرص على التشيّع والخائفين عليه قد حذروا من أن تتحول مأساة الحسين رضي الله عنه إلى “مسخرة” على حد وصف الوائلي مما يلحق أفدح الأضرار بفكرة التشيع نفسه، ولكن القضية تحولت إلى تجارةٍ رائجة ومصدر ثراء لمرتزقة يكتنزون منها عشرات بل ومئات الملايين من الدولارات، ومن يحاول عقلنة أحداثها يتحول إلى هدف لسهام ورماح تنتظر نصب شاخص لتختبر جدارتها في التصويب.

إن القمع الذي تمارسه الطبقة الدينية التي تقود المذهب والتي تمسك بأدوات السلطة من مال وقوة عسكرية، على كل صوت يحاول إخراجه من القوالب المصنّعة في فارس، تجسدّ بشكل كامل ما يجري حالياً في العراق، فإحساس الشيعة بالاضطهاد المزمن منذ 1400 سنة والذي يبدو أنه لا يريد مغادرتهم على الرغم من أنهم تحولوا من الفئة المظلومة إلى الفئة الحاكمة القادرة على إزالة الظلم عن نفسها بل وظلم الآخرين، جرّ كتّابَهم ومدونيّهم إلى صناعة تاريخ زائفٍ ومحرّفٍ ومخزٍ بكل معنى الكلمة، يستحث فيهم كل نوازع الانتقام، ولنركز على الظاهرة العاشورائية التي تفاقمت صورها المستحدثة منذ 2003 وحتى الآن، فقد حصل أكبر تزوير لأحداث حركة الحسين منذ تلقيه آلاف الرسائل بالبيعة من أهل الكوفة وتَعدُه بالوقوف معه في قيامه ضد الدولة الأموية.

ربما ينظر بعض المهتمين إلى أن تدوين التاريخ هو أهم مفردة في كل هذا المشهد، لكن هناك غيرهم ممن يعتقد أن ما يعانيه الناس من القمع الانتقائي مما يتسبب بالقهر الجمعي، يتقدم على التدوين في أهميته، لأنّه يفترض أنّ سلوكاً للفئة المستهدفة بالقمع سيبرز على السطح مما لا يعبر عن حقيقة مشاعرها أو قناعاتها، وهذا النوع من الاستعباد هو أسوأ ما يعيشه المجتمع أفراداً وجماعات، وهذه الحالة الإنسانية المتردية إلى أدنى درجات الذل هي

التي جاءت الأديان السماوية وحركات التثوير والتنوير الفكري في العالم للقضاء عليها وعلى معاناة الإنسان من ويلات الذل والعبودية، لأن القوة يمكن أن تفرض وضعاً معيناً على المجتمع أو فئة منه لوقت محدود، ولكن هذه العوامل نفسها هي التي تدفع به للثورة على القهر والقمع، مع كل ما يرافقها من أحداث مأساوية أو دموية وخاصة عندما يتساوى الموت قهراً أو الموت تحت سياط الجلادين أو القتل في ساحة المنازلة، وعادة ما يعقب مثل هذه الثورات أو الفورات انتقام سينال كل المتسببين في مآسي الحقبة السابقة، وربما يسود خلالها شعار الثورة الفرنسية (الموت للنبلاء المذنب منهم والبريء) إن كان ثمة بريء من مسرح الذل المنصوبة خيمته فوق أرض العرب، فسلطة العقل ستتعطل أمام فورة الغضب.

لقد شهدت فترة حكم سلطة الأمر الواقع المفروض إيرانياً وأمريكياً في العراق، والذي يحكم باسم الشيعة صدقاً أو كذباً، خروجاً على قواعد القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بل خروجاً على كل الشعارات التي تطرحها سلطة الحكم، التي استدرجت إليها الرعاع من سفلة المجتمع ليكونوا أدوات بيد مليشيات مسلحة مارست القتل والتهجير والتغييب على معارضيها، وارتكبت أسوأ أنواع القمع والقهر وإذلال الناس الذين يحملون عقائد أخرى، كل ذلك أمام سمع الحكومة وبصرها ودعمها وتسليطها عليهم حثالات المجتمع ومنبوذيه بعد أن جهزتهم بالسلاح ودربتهم على استخدامه والتلويح به استفزازاً للكرامة الإنسانية، وخاصة في المحافظات السُنيّة ومدنها.

ولم يتوقف سيل الدم بعد واقعة الطف سريعاً بل تدفق غزيراً في الكوفة، إذ قاد المختار بن عبيد الثقفي ثورة للانتقام من قتلة الحسين، وسيطر على الكوفة واستمر حكمه لمدة 18 شهراً، ويقال إن رأس عمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن جيء بهما إليه بصينية من ذهب، كما قتل عبيد الله بن زياد بعد أن سيّر المختار إليه إبراهيم بن الأشتر فقتله في الموصل.

ولكن الأمر لم يستتب للمختار طويلاً فقد ثارت عليه الكوفة التي كانت مدينة أخلاط استوطنها كثير من الفرس، وانتصر عليه مصعب بن الزبير الذي أعلن الثورة لدعم ثورة أخيه عبد الله بن الزبير في مكة المكرمة، وجيء برأس المختار إلى مصعب بنفس الصينية على ما تقول روايات غير موثقة تسردها الذاكرة الشعبية العراقية، ولكن الرواية التاريخية تقول إن

مصعباً أمر بتعليق رأس المختار على جدار مسجد الكوفة كما أمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمّرت بمسمار إلى جانب مسجد الكوفة، حتى ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي فأمر بإنزاله ودفنه في نَزعةٍ قبليةٍ لم يذكرها كارهو الحجاج له.

ومن يتابع ما كُتب في تلك الحقبة من مدونات تاريخية أو نصوص أدبية سيجد أنها تنتمي إلى ضفتي نهر مختلفتين في كل شيء، فكل فريق يكتب على هواه ويصور الأحداث ليس من الزاوية التي كان يرصدها فيها وإن كانت مكانة الحسين من النبي الكريم قد أدت إلى انحسار الروايات المحايدة أو المنحازة إلى جانب القتلة، لهذه الأسباب وغيرها ترسخت الصور الذهنية التي تخيلّتها العواطف انحيازاً لهذا الطرف أو ذاك، ولقد برز الفكر الشيعي كفكرٍ يركز على خطأ كل المذاهب التي لا تشاطره الإقرار بفكرة الولاية ولا تعترف بعصمة الأئمة، هذا فكر تكفيري يسبق كل الحركات التكفيرية التي ظهرت في حقبٍ لاحقةٍ من عمر الإسلام، ولهذا نلاحظ التصادم في كل شيء بالسيوف والأفكار والشعر وفي كتابة التاريخ، ولم يتوقف الأمر على هذه الحقبة الصاخبة من الزمن العربي فقط، بل عاد المؤرخون إلى تخطئة كل ما لا ينسجم مع هواهم وميلهم، عودةً إلى عصر الرسالة كما مرّ ذكره في الحديث عن خطبة حجة الوداع وغدير خم وواقعة السقيفة وهكذا.

أما ما حصل في العصر العباسي من كتابة للتاريخ، فربما يتطلب وقفة طويلة للتدبر فيه كله، نظراً لدخول العنصر الفارسي على خط السياسة والدين ودواوين الدولة ومجالس الخلفاء والتدوين والأدب، ويكفينا أن نستذكر أن بني العباس ما وصلوا إلى الحكم إلا بعونٍ فارسي قاد جمعَه أبو مسلم الخراساني الذي انتهى بأبي جعفر المنصور إلى التخلص من الخراساني بقتله في واقعة معروفة، بعد أن شعر المنصور أن أبا مسلم الخراساني صار خطراً جدياً على الخلافة العباسية.

ونعي جيداً أن منطق الثأر الذي حمله بنو العباس على بني أمية نتيجة قتلهم صاحبَ الدعوة العباسية إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وما أعقب ذلك من سفك دماء كثيرة من الأمويين وأتباعهم حدد مسار التدوين لفترة طويلة.

 ففي واقعة يذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وكثير من المؤرخين، أن أبا العباس السفاح أعطى الأمان لمن بقي من وجوه الأمويين ودعاهم إلى وليمة ثم قتلهم بأبشع صورة بعدما حرّضه الشاعر سديف مولى آل أبي لهب بأبيات شعر قال فيها:

لا يغـــــــــــــــــــــرنك ما ترى من رجال …. إن تحت الضلوع داء دويا

فضع الســـيف وارفع السوط حتى …. لا ترى فوق ظـهرها أمويا

هذا العنف أشاع جواً من الرعب والإرهاب الفكري وخاصة بعدما تناقلت الركبان قصة تلك المجزرة بين أبناء العمومة المتقاتلين على المُلك، مما أدى إلى نشوء الفكر المتزلف لدولة بني العباس وتدوين كثير من الوقائع بما ينسجم مع رغباتهم، لكن ذلك لم يمنع نشوء حركات فكرية باطنية وسياسية ومسلحة، واجهتها الدولة العباسية بما تمتلك من قدرات وموارد بشرية ومادية، ولكن اتساعها وتعدد واجهاتها أدى بالنتيجة النهائية إلى سقوط الدولة العباسية على يد هولاكو عام 1258 بعد أن تضافرت جهود المعارضين لها من حركات غالية وباطنية اتخذ كثيرٌ منها (حب آل البيت شعاراً).

لقد عاشت الأمة العربية وخاصة في العراق أسوأ مراحل تاريخها بسبب التحريف الخطير الذي تعرض له التدوين، ذلك أن الفرس الذين عانوا من قهر إسقاط الامبراطورية الساسانية في معركة القادسية لم ولن يغفروا للعرب فعلتهم هذه، ولأن الفرس مجبولون على الغدر والخديعة، فقد اتخذ حراس معبد النار في يزد قراراً صارماً، هو أن يزوروا التاريخ في أي مقطع يستطيعون الوصول إليه، ولم يجدوا أفضل من ارتداء قميص (مظلومية آل بيت النبي) وسلبهم حقهم في خلافة النبي الكريم، وراحوا يضعون النصوص والمدونات وينسبونها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، فكانت أول واقعة لفقوها، كسر ضلع فاطمة الزهراء رضي الله عنها، في مشهد فيه من الإساءة لمكانة علي بن أبي طالب وغيرته على زوجته، ولشجاعته وهو يقف متفرجا عاجزا عن حماية زوجته وأم أولاده وابنة رسول الله، فكان غلاة المتأسلمين الفرس على استعداد للإساءة بأبشع الصور لآل البيت من أجل الإساءة إلى رموز دحر

امبراطورية فارس المجوسية، فنشّطوا مهاراتهم في اختلاق قصص وأساطير للطعن في الجانب الآخر أي كل من كان له دور في إسقاط الدولة الساسانية، وبمقابله تأليه الطرف الذي يريدون التسلق على ظهره وصولاً إلى هدفهم.

لقد بقي التشيّع الولائي لفارس غامضاً في معظم صفحاته لفترة طويلة حتى استطاع أن يحقق لنفسه مواطئ أقدام خارج بلاد فارس، ذلك أن الفرس كانوا يمارسون أعلى درجات الخديعة والتقيّة السياسية في خطابهم المعلن، فلا يجد المراقب إلا أن يصدّق دعواتهم للتقريب بين المذاهب، وأخذت هذه الدعوة قوة دفع إعلامية بعد عام من وصول خميني إلى الحكم 1979، في الوقت الذي نشطت إيران في برنامجها الباطني في تطوير خططها للإساءة لرموز الإسلام الخالدة، صحابة رسول الله وأزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وفي السعي الحثيث لنشر التشيّع ليس في أوساط غير إسلامية وإنما في الوسط الذي يخوضون معه حوار التقريب بين المذاهب، وهنا أشار كثير من المراقبين أن مرجعية خميني وخامنئي وكذلك مرجعية النجف، وزعت الأدوار على معممين لتأدية ثلاثة أدوار تلتقي كلها عند نقطة واحدة وهي الجهد الذي بدأ بوصول إسماعيل الصفوي أي نقطة تشييع المسلمين السنة، وهذه الأدوار هي:

1-رجال دين يلقون محاضرات تنقل على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي تبالغ في إضفاء صور من الخوارق والمعجزات على آل البيت لم تتسن حتى للأنبياء والرسل، ومع أن تلك الأقاصيص لا يمكن أن تدخل في عقل إنسان سوي، فإن أحداً ممن يسمون أنفسهم المراجع الكبار لم يكلف نفسه في وضع حد لهذا الكفر.

2- رجال دين يمارسون نفس الدور في التهجم على صحابة رسول الله وتكفيرهم، وتكفير أتباع المذاهب الأخرى، واعتبار التشيع هو الإسلام الحقيقي وما عداه فكفر، ولهذا منحت إيران نفسها الحق في نشر التشيّع في سوريا عن طريق تجنيد الأطفال في المناطق التي أفقرها ودمرها نظام القاتل بشار الأسد بالتعاون مع حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية العراقية والحرس الثوري، وذلك بتنظيم مسيرات في مدن لم يكن فيها شيعي واحد، وإذا بها بسبب الجوع والفقر المدقع تشهد تلك المسيرات الاستفزازية والمخدشة للعيون والآذان والمشاعر، والتي تحمل أعلى درجات القمع الفكري والعدوان على حق الإنسان بالتعبد من دون قهر أو فرض دين أو مذهب اعتماداً على التخويف أو التجويع.

وهناك معممون فقدوا أي وازع أخلاقي أو ديني وأمِنوا العقاب لأن السلطة في العراق معهم ومرجعية النجف توفر لهم المظلة السياسية والقانونية، خرجوا عن كل ما يمت للقيم بصلة، والأمثلة كثيرة ولا تحصى.

 واحد من سوقتهم كان يتحدث في محاضرة منقولة على موقعه للتواصل الاجتماعي قال فيها (عند ولادة الإنسان يحضر إبليس ولادته، فإن كان من شيعتنا فإن الله يحوُل بينه وبين المولود الجديد، وإن كان من النواصب “السنة” فإن إبليس يمد سبابته في “است” هذا المولود الذي سيكون مأبوناً).

لا أحد يعرف فكراً بهذا الانحراف الخلقي والسلوكي إلا عند هذه الحفنة من الأفاقين المنحرفين عن جادة الإسلام، ومع ذلك فإنهم يتحركون على “النواصب” لتحويلهم نحو التشيع، فما هو حكم التشيّع في هذا المأبون على حد وصف هذا المعمم الفاسد الساقط؟ فإذا كانت هذه عاهتهم فلماذا تحولونهم نحو التشيع؟ وإذا سلمنا بهذا الهراء والسقوط فمن حقنا أن نسأل هذا السؤال …. ترى كم في أوساط الشيعة الآن من هذا الصنف؟

3-رجال دين لا يظهرون في محاضرات ولا على الفضائيات بل يمارسون أعلى درجات التقية والنفاق، ويقدمون أنفسهم في مؤتمرات مغلقة على أنهم حملة مشعل التسامح بين المذاهب والتقريب بينها، ومن اللافت أن مثل هذه الدعوات انطلت على بعض السُنة إما عن قناعة بصدق مطلقيها، أو نفاقاً أو لمصلحة مادية أو خضوعاً لمنطق الغالب والمغلوب.

وهنا يتجسد أسوأ ركن من أركان التحرك الفارسي في الوطن العربي والعالم الإسلامي، أي طرح إيران زعيمة للتسامح والتآخي والوحدة الإسلامية، وللحق فإن إيران تمكنت من خداع كثير من علماء الدين المسلمين وتضليل أعلى المراكز الإسلامية مكانة في العالم الإسلامي سواء في مصر أو باكستان أو في بلاد المغرب العربي، فقد مدّ لها السُنّة يداً بيضاء، في حين أنها كانت تخطط لاجتياح بلدانهم وطعنهم بخنجر الغدر، والتأثير على مراكز الإشعاع الإسلامي فيها مثل الأزهر في مصر، لا سيما وأنه لأسباب سياسية كان الأزهر قد أصدر فتوى من قبل شيخه محمود شلتوت، بتأثير من الرئيس جمال عبد الناصر في ستينيات القرن

الماضي باعتبار المذهب الجعفري مذهباً إسلامياً يدّرس في الأزهر، وكذلك الحال مع غير الأزهر من مراكز الإشعاع الإسلامي في العالم.

ولكن أكثر المتحمسين لما يسمى بحوار المذاهب وهو الداعية المصري والمقيم في قطر الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، شن يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2016 هجوماً قاسياً على فكرة التقريب بين المذاهب، منتقداً المرجعيات الشيعية التي قال إنها تكّفر الصحابة وزوجات النبي ولم تُفتِ بجواز التعبد بالمذهب السني، معتبراً أن فكرة التقريب صبت لصالح الشيعة ولم يستفد السنة منها شيئاً.

ويبدو القرضاوي في الفيديو الذي أعاد نشر تقرير حوله كان يعبر عن “ندمه” لمحاولاته في السنوات الماضية للتقريب بين السنّة والشيعة قائلاً: “بعد هذا العمر الطويل لم أجد فائدة من التقريب بين السنة والشيعة سوى تضييع السنة وتكسيب الشيعة، السنة لا يكسبون شيئاً وهم يكسبون من ورائنا.”

وتابع القرضاوي، الذي كان يتحدث خلال ندوة نظمها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه، بالقول: “الشيعة يكفرون الصحابة جميعاً ويكفرون سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا طلحة والزبير والسيدة عائشة والسيدة حفصة” في إشارة إلى عدد من أصحاب النبي محمد وزوجاته الذين يتمتعون بمنزلة رفيعة عند السنة.

لكن هل يعبر هذا الموقف عن إجماع لكل من شارك في ندوات التقريب بين المذاهب التي استنزفت وقتاً طويلاً من عمر الأمة؟

لقد تمكنت إيران من ربط التشيع بصورة محكمة مع الولاء لمرجعية خميني ومن بعده خامنئي، ونجحت إلى حدود بعيدة في زرع أسلحة هي أخطر بكثير من السلاح النووي بين ظهرانينا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا ولكن ولاءهم عابر للحدود نحو فارس ويتحركون بأوامرها.

وكان لاحتلال العراق من قبل أمريكا وبريطانيا عام 2003 ثم تسليمه هدية أطلسية لإيران بصفقة تخادم شامل بين إيران والتشيّع الولائي من جهة والغرب والشرق من جهة أخرى

لشق العالم الإسلامي عمودياً، الدور الأكبر في تحويل أتباع إيران إلى جنود مجندة يتحركون بأمر خامنئي ووكلائه في المنطقة، لإشغال العالم الإسلامي بحروب بينه وبين نفسه لن تعرف نهاية أبداً، وهذا ما أدخل العالم في مرحلة جديدة من الصراعات الفكرية والسياسية والعسكرية، فتكشفت الحقيقة الكاملة عن النوايا المضمرة لإيران والتي ظلت تتستر عليها عدة قرون، فقد أظهر احتلالها للعراق “مع أن ثمنه كان باهظاً على العراقيين والوطن العربي” جوهر التشيّع الفارسي الصفوي ومدى حقده التاريخي على الأمة والذي لن تُطفئ ناره إلا بسيطرة فارس على العالم الإسلامي استناداً إلى تصور تكّرس في عقول دهاقنة التشيّع في قم ونقلوه بأمانة إلى شيعة العراق خاصة، من أن العرب قادوا العالم الإسلامي عدة قرون وهم أمة لا رصيد حضارياً لها إلا الشعر والرمال والجراد والابل، ثم انتقل المُلك عدة قرون أخرى إلى قبائل تركية متخلفة جمعها مؤسس الدولة العثمانية وهم بلا رصيد حضاري ولا يحسنون إلا القتال، وها هي ساعة الفرس قد دقت لتدشين الحقبة الفارسية الغنية بإرثها الحضاري الثقافي العميق لقيادة العالم الإسلامي، والذي لن تستكمل حلقاته ما لم يصل الفرس إلى حكم مكة المكرمة والمدينة المنورة وذلك من أجل امتلاك شرعية تمثيل المسلمين من خلال مكانة الحرمين الشريفين.

إن ما برز على السطح من نزعة كراهية لصحابة الرسول الأكرم ولأزواجه من جانب شيعة العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، وخاصة أثناء إحياء المناسبات المذهبية تثير كثيراً من التساؤلات عن التقية التي كانت معتمدة في علاقات الشيعة مع بقية المكونات وكيف استطاع الشيعة اختزان هذا القدر من الضغينة لأجيال عديدة، حتى تفجّر بركانه دفعة واحدة بعد عام 2003.

وهنا يبرز السؤال الأهم وهو…. كيف نجح الفرس في غرس مشاعر الكراهية لدى الشيعة العرب وخاصة في العراق على أقرب صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم وأزواجه ولرموز الإسلام الذين كان لهم الفضل الأول في توسيع رقعة بلاد المسلمين وفي تثبيت أركان الدولة الإسلامية الفتية؟ وهل كان ذلك ممكناً لو لم يكن مراجع التشيع الأوائل من الفرس فقط؟

حكم البويهيون (سلالة من الديلم) غرب إيران، والعراق من سنة 334 إلى سنة 447 هـ، ويرجعون في نسبهم إلى ملوك الساسانيين الذين أسقط العرب إمبراطوريتهم سنة 16 هـ، واستمد البويهيون اسمهم من أبو شجاع بويه، واستطاع ثلاثة من أبنائه الاستيلاء على السلطة في العراق وفارس، وخلع عليهم الخليفة العباسي المطيع لله ألقاب السلطنة، وتسلطت الدولة البويهية على الخلافة العباسية ابتداءً من عهد الخليفة المطيع لله سنة 334هـ، وهي السنة التي دخل فيها معز الدولة أحمد بن بويه بغداد واستلم السلطة الفعلية.

وبعد قفز البويهيين إلى حكم فارس، مكّنوا لمؤلفات علماء الشيعة من أمثال محمد يعقوب الكليني الرازي صاحبِ كتاب “الكافي”، وابن بابويه القمي المعروف بالصدوق صاحب كتاب “من لا يحضره الفقيه”، ومحمد بن جعفر الطوسي صاحب كتابي “الاستبصار” و”تهذيب الأحكام”، وهي كتبُ الحديث الأربعة، الأكثرُ ثقةً ومصداقيةً عند الشيعة الإمامية، مكنوّها من الانتشار بحرية تامة لنشر الفكر الشيعي في بلاد فارس، وتلك الكتب هي التي وضعت اللبنات الأولى للمعتقدات والعقائد المسيطرة في الوقت الحاضر على أتباع التشيّع ومنها يأخذون معتقداتهم وممارساتهم، وركزت تلك الكتب على عقائد الشيعة كما وردت عن أئمتهم الاثني عشر كما يزعم هؤلاء المدّونون، وحفلت بأحاديث منسوبة لهؤلاء الأئمة من أجل تأكيد مبدأ الولاية والبراء من أعدائهم، وكي تكتمل الصورة فقد أدخل أصحاب الكتب الأربعة أحاديثَ منسوبةً للأئمة الاثني عشر تؤكد على فضل فارس في الدين والإيمان، وهذا النهج لم يقصد به الترويج لفارس فقط وإنما للحطّ من قدر العرب ومكانتهم في نشر الإسلام وفهمهم العميق لأحكامه، ثم الانتقال إلى الصفحة الثانية وهي الأكثر أهمية أي النيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد غرس المؤسسون الأوائل للتشيّع في بلاد فارس الحقد على العرب وخصوا به كل من أمر أو قاد أو شارك في معركة القادسية التي سحقت الامبراطورية الفارسية، ونتيجة التلقين المستمر لمئات السنين، تحولت نصوصهم إلى مقدسات، وصوروها لهم إنها هي التي تقربهم إلى الله بقدر ما يبغضون تلك الرموز ويجاهرون في ذلك.

فلقد أسسوا لبناء فكري وتربوي متماسك وهو أن تَشيع الكراهيةُ التي غرسوها في عقول أتباعهم حتى حولوهم إلى كائنات مسلوبة الإرادة والعقول وتتصرف بآلية حمقاء تنكر أصلها وتتنكر لتاريخها؟ ومن هنا نفهم لماذا تحرص المنظمات والحركات التابعة لإيران والتي تسلمت حكم العراق بعد 2003 على إشاعة الجهل والأمية فيه لأنّ الوعي يمنع هذا الاستلاب الفكري، فهل يدل هذا على عبقرية الفرس وقدرتهم في كسب الأتباع والعملاء؟

قطعا لا، لكنّ الفرس درسوا طبيعة الإنسان وأيقنوا أن قدرة العقائد الدينية على التحكم في سلوك بني البشر وهي من أقوى المحركات لسلوك الإنسان، هي التي ستضمن ولاءً ميكانيكياً لعقيدة التشيّع والتسليم بكل ما يرد فيها حتى إذا كان مما تأباه العقول، ولهذا سطا الفرس على موروث التاريخ الإسلامي وأدخلوا عليه من الكذب ما يفوق ما فعله أعداء الإسلام المكشوفين، ولأن الدّين عقيدة يتلقاها الطفل مع ولادته وتنمو معه في مراحل عمره، فإن التشيّع وعلى خلاف بقية المذاهب الإسلامية الأربعة، ما كان يسمح للمولود الشيعي أن يفلت لحظة واحدة من أمام بصره، فمن البيت إلى الشارع إلى المدرسة إلى الحسينية، يتلقى الشيعي ضخاً طائفياً يشعره بالتميّز عن الآخرين وعدوانياً على الآخر، حتى تتكرس تلك القناعات وتصبح جزءً من الشخصية بل ومن خلاياها العقلية، ولنأخذ نماذج من الشيعة الذين حصلوا على أعلى الشهادات الجامعية من الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهم يجاهرون بعلمانيتهم بل وبإلحادهم، ولكنهم ملحدون طائفيون حتى النخاع ويتحسسون من كل شخص اسمه عمر أو أبو بكر أو عائشة، بل لا يطيقون هذه الأسماء.

 هنا تحضرني واقعة حصلت في إحدى مدن العراق الجنوبية، عندما كان يتحدث رجل عاقل في المسألة الطائفية ومدى خطورتها على سلامة المجتمع العراقي، فأخذ عمر بن الخطاب كنموذج لشخصية القائد العادل ورجل الدولة البارز التي كان له الفضل في نشر الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية بمؤسساتها الإدارية، فما كان من أحد الحضور إلا أن يسأله

هذا السؤال “إذا كان عمر خوش آدمي هيج جا ليش سمّوه عمر؟” أي إذا كان عمر على هذا القدر من العدل فلماذا أسموه عمر؟

من هذه الواقعة يتبين أن البناء التربوي للفرد الشيعي جعل من اسم عمر عنواناً للسوء، على هذا فالموضوع ليس عقلياً على الإطلاق بل هو غرس وبناء يتلقاه الطفل مع حليب أمه ومع رغيف الخبز الذي يأكله وكأس الماء، أو “الويسكي” الذي يشربه.

هذا البناء التربوي والعقائدي، جعل معظم الشيعة بمن فيهم (إلى حد ما) الطبقة المثقفة أو لأقل بدقة أكثر الفئة المتعلمة، تتعامل مع القمع الذي مارسته السلطة المنصّبة من قبل الولايات المتحدة والمدعومة من قبل إيران، ضد العراقيين الرافضين للاحتلال وافرازاته السياسية والاجتماعية بلا مبالاة حيناً وتأييد صامت في معظم الأحيان.

ولكن ما هي أشكال القمع الذي مارسته المليشيات المسلحة الولائية لإيران والتي أخذت صفتها الرسمية من أنها جزءٌ من القوات المسلحة العراقية؟

مع أن الديانة اليهودية سابقة للإسلام وللتشيّع، ومع أن التشيّع سابق للحركة الصهيونية، إلا أن المراقب لا بد أن يلاحظ تبادلاً نشيطاً للخبرات الميدانية بينهما في طرائق السيطرة على المجتمع الذي تحل فيه، وهنا نجمل أهم الأساليب المعتمدة في التوسع المناطقي والتوسع في مجال نشر التشيّع في المناطق غير الشيعية.

أولاً: عسكرة المجتمع ونشر السلاح السائب لإضاعة المسؤولية القانونية عما يقع من جرائم قتل جماعي، وتشكيل منظمات مسلحة توكل لها واجبات محددة للدفاع عن العقيدة.

ثانياً: إقامة معسكرات للمليشيات الطائفية المسلحة تحت لافتة محاربة الإرهاب، وحقيقة دورها أنها توجه بنادقها لقهر السكان الآمنين وملاحقة المعارضين بأية صورة من صور المعارضة السلمية، ويتبع ذلك فتح مقار للمليشيات والأحزاب التي تتبعها، وتبدأ بفرض برامجها السياسية والعقائدية عبر مكبرات الصوت، وتلاحق حتى أولئك الذين تظهر على محياهم علامات عدم الرضا، أي تلاحق على الفكرة المختزنة داخل الرؤوس.

ثالثاً: افتتاح حسينيات في مناطق لا يوجد فيها حضور شيعي، والهدف من مثل هذه الخطوة هو استفزاز الناس أو استمالتهم بالمال والإغراءات الأخرى، ورفع الرايات التي تحمل شعارات عدوانية، وإقامة ما تسمى بالشعائر الحسينية في محرم وصفر وحيثما توجد مناسبة يراد استغلالها من أجل تأكيد الهيمنة الشيعية وخاصة في العراق والمدعومة بالبندقية المليشياوية والمستظلة بمظلة السلطة الحكومية وما تسمى بالمرجعية الدينية ومن بين هذه الممارسات تنظيم مسيرات لأطفال لم يبلغوا الحلم من أبناء المناطق السنية وهم يحملون السلاسل ويرددون الشعارات الطائفية.

رابعاً: تهجير سكان المدن السنية بدعوى احتضانها للإرهاب أو دعمها له، كما حصل في مدن محافظة ديالى وحزام بغداد ومدينة جرف الصخر، وناحية يثرب في محافظة صلاح الدين، وتفريغ مركز مدينة سامراء من سكانه بحجة حماية مرقد العسكريين، والاستيلاء على أراضٍ واسعة من أطراف سامراء العائدة لدائرة الآثار، من أجل إعمارها وإقامة المجمعات السكنية الكبرى كما جرى في كربلاء وجلب السكان الغرباء الشيعة إليها من إيران وشبه القارة الهندية وأفغانستان، فصاروا عبئا اجتماعيا اقتصاديا على تلك المدينة.

خامساً: إطلاق يد المليشيات لممارسة أعلى درجات القمع قتلاً وتهجيراً وتغييباً وإذلالاً لسكان المدن السنية وتعريضهم إلى حصار اقتصادي وتقطيع أوصالها وجعل التنقل بين أحيائها المختلفة أمراً في غاية الصعوبة والاستحالة أحياناً، وفرض صيغ أجراءات أمنية لا مثيل لها في أسوأ الاحتلالات التي تعرضت لها دول أخرى، ولنأخذ ما يحصل في المدن الفلسطينية المحتلة، فإنها ستغدو أمام ما تشهده مدن السنة في العراق وسوريا وكأنها تعيش نزهة سياحية، فما هو الهدف من كل ذلك؟

سادساً: توفير مظلة الحماية الرسمية والدينية لعناصر المليشيات من أجل ارتكاب مختلف الجرائم المخلة بالشرف مثل تهريب المخدرات والزنا بالمحارم والسرقة والسطو على

المال العام، ومن اللافت أن أكبر الجرائم التي يرتكبها أحد فصائل الحشد أو يرتكبها العنصر الميليشياوي أو القريب من الحشد الشعبي التي تطلق عليها السلطة القائمة صفة الفصائل غير المنضوية تحت سلطة الحشد،  مثل خزن الأسلحة في المناطق الآهلة بالسكان، أو إطلاق الصواريخ على المعسكرات والسفارات العاملة في العراق، فإنه لا يمكث في التوقيف إلا سويعات معدودات كما حصل مع عشرات الحالات المسجلة، أما جرائم المليشيات في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار أثناء ما سُمي بعمليات التحرير من قتل جماعي وتغييب عشرات الآلاف والإهانات التي كانت عناصر الحشد تعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي إمعاناً في إهانة كرامة الإنسان وإثارة الرعب الجمعي، وتفكيك المصانع مثل مصفى بيجي العملاق ونقله إلى الوطن الأم وسرقة الممتلكات الخاصة والعامة، فكلها تمر لأنها ببساطة سياسة الأرض المحروقة التي اعتمدتها قيادات في سلطة الحكم الطائفي منذ 2003.

سابعاً: التمييز الفاضح في توزيع أبواب ميزانية الدولة السنوية على المحافظات حسب نسب السكان منذ أن بدأت الميزانية السنوية تعتمد بعد الاحتلال، وكذلك التوظيف في أدنى الوظائف الحكومية التي لا تعتمد الكفاءة والمقدرة بل الانتماء، وكذلك القبول في الجامعات وفي المعاهد العسكرية الذي صار مستنقعاً آسنا تسبح به مخلوقات لا تمت إلى الضبط العسكري بصلة، ولعل فضيحة حكومات ما بعد الاحتلال في تثبيت الدين والمذهب في قوائم قبول طلبة الكلية العسكرية ما يثير الاشمئزاز.

هذا السلوك المنحرف عن الضوابط المهنية والأخلاقية، يعزز القناعة بطائفية النظام المقيت بل ومجاهرته بها من دون رادع أخلاقي أو قانوني أو عرفي، وهذه التفرقة العنصرية التي كان العالم يتوقع أنها انتهت بنهاية نظام الفصل العنصري في جنوبي أفريقيا، ما تزال تفرض نفسها على الواقع العراقي لأن سلطته التي أقامها الأمريكيون وتلقفها الإيرانيون في تخادم مقدس بينهما حتى وإن أظهرا عداءً سياسياً وفكرياً على كل المحاور تقف حائلاً دون

 تسليط الضوء على انتهاكاتها لأبسط حقوق الإنسان في العيش في وطنه على أساس التكافؤ في الحقوق والواجبات، فهل شهد العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921 مثل هذا السلوك؟ أم أن النظم التي حكمت العراق قبل 2003 كانت كلها على خطأ؟

بالمقابل فإن السنّي إذا طالب بحق مضاع أو بالعودة إلى مدينته ودياره التي هجّر منها بقوة السلاح واُستلبت ممتلكاته فإنه مدان قبل أن يستكمل المطالبة بحقه، وإذا ضُبط ومعه مسدس شخصي، فإنه يزج بالسجن وتوجه له تهمة الإرهاب بموجب المادة 4 إرهاب، فالسني مذنب حتى يُثبت براءته بنفسه، فأين هو العدل والمساواة اللذين نص عليها الدستور الكاذب الذي مرره إسلاميو الحكم الأمريكي الإيراني سنة وشيعة وأكراد، وإن كان الحزب الإسلامي الذي يتحمل وزره كاملا لأنه تواطأ مع حليفه الشيعي على حساب السنّة بل وعلى حساب العراق.

ما ينطبق على سلوك المليشيات ينطبق على تصرفات شائنة تصدّر عن معممين شيعة وتعرض على فضائيات شيعية تخصصت بإثارة الفتن الطائفية، ويخرج أولئك المعممون عن حدود الأخلاق والقيم والشرف في حديثهم عن السنّة وتاريخهم الذي هو تاريخ الأمة، وتحظى تلك الفضائيات بالحماية القانونية لتفعل ما تشاء وتخرج عن كل القوانين والأعراف والقيم الاخلاقية، مما يعرّض السلم الأهلي لأفدح المخاطر، وبالمقابل فإن أي فضائية لا تلتزم بالمنهاج الشيعي، فإنها تتعرض لملاحقات قانونية بل ولهجمات مسلحة تشنها عليها المليشيات المسلحة في ظل حماية قانونية، ولعل ما حصل لقناة دجلة في آب 2020 يجسد ثنائية التعامل وازدواجية المعايير التي تعتمدها حكومة الاحتلال بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية مع أدواتها المسلحة.

الهدف النهائي هو تشييع السكان أو تخييرهم بين التهجير أو القتل أو الاعتقال بموجب المادة 4 إرهاب، ومع هذا المنهاج التعسفي، تنشط سلطة المعممين لضمان سكوت رجال الدين السُنّة على ما يحصل، أو تعريض حياتهم للخطر، وكذلك التحرك على الوجهاء

وشيوخ العشائر للهدف نفسه، وللأسف وجدت ضالتها في بعض ذوي النفوس الضعيفة ورخيصي السعر في السوق الاجتماعي المزدحم بكل النماذج المعزولة دينياً وعشائرياً بل وأخلاقياً، فراح بعضهم يبرر للسلطة الغاشمة سلوكها المنحرف وراح كثير من معممي السُنّة يغطون على جرائم المليشيات في الموصل والرمادي.

ولأن المليشيات كانت تنشر ما ترتكبه من فظائع ضد المعتقلين وطرق قتلهم بوحشية منقطعة النظير، فإن بعضاً من أولئك آثروا السلامة ودعة العيش على القيام بواجباتهم الأخلاقية والشرعية، وبذلك فقد فرطوا بأهم شروط العقد الاجتماعي بينهم وبين من يزعمون تمثيله.

اللافت للنظر أن هذا الإرهاب والقمع حصل في العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة وما زال متواصلاً وسط صمت مميت ومُدان، من جانب الأمم المتحدة ومكتبها في بغداد واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية والمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، والأهم من ذلك الصمت الذي يطبع سلوك الدول الكبرى التي جاءت بكل الشرور إلى العراق عام 2003 وجعلت من نفسها قيّمة على التنفيذ الحرفي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، فأين يكمن الخلل؟

هناك مخطط لإحداث دمار شامل في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، ترتكز على موقف استراتيجي سبق وأن أعلنه وزير خارجية الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي جيمس بيكر والذي حدده بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، وأنيط تنفيذ صفحته الثانية بإيران ومليشيات مرتبطة بها ارتباطاً ولائياً، فالدول الكبرى تنظر إلى إيران كشريك سياسي واقتصادي مرغوب فيه ويتحدث لغة واحدة مع الأسرة الدولية، ويُحكم سيطرته على قوى مسلحة يمكن أن تعبث بأمن المنطقة ومصالح الدول الكبرى عبر تحريك أدواتها وخلاياها النائمة متى اقتضت مصلحتها ذلك، ولهذا الشريك سواحل طويلة على أهم الممرات الملاحية للتجارة الدولية بين اليابان والصين والهند وأوروبا والولايات المتحدة، مما يمنحه قدرة على السيطرة على الممرات الملاحية الدولية، ثم إنها القوة الوحيدة التي تستطيع بما وضع تحت سيطرتها من سلاح وغضِ نظرِ عن أهدافها السياسية المعلنة وعن برنامجها

النووي الموجه لردع العرب دون سواهم، وبسبب أطماع إيران ونوايا التغيير المذهبي الذي تخطط له بقوة الإغراء حيناً والضغط في معظم الأحيان على السكان يجد العالم نفسه معجباً بذلك الإصرار على الوصول إلى الهدف مهما طال الانتظار، كل ذلك مكّن إيران من إثارة الهلع في نفوس حكام الخليج العربي منطقة الخاصرة الضعيفة في الجسد العربي، فسارعوا للبحث عن قوة تحميهم من الخطر الإيراني الداهم، بعد أن هدّموا بأيديهم وأموالهم جدار الصد العربي الأول عن الأمة “أي العراق” وانطلت عليهم ابتسامات إيرانية مسمومة كما هو معهود فيها، ففرشوا لها ولعملائها مما يسمى “بالمعارضة العراقية” السجاد الأحمر وفتحوا لها خزائنهم بل تعاملوا معهم كضيوف مرموقين من وزن”VIP”، على الرغم من أن وطنهم الأم “أي إيران” كان يتعامل معهم كعبيد أرقّاء وكخدمٍ مجّانييّن، وتركتهم يتسكعون على السفارات وأجهزة المخابرات الشرقية والغربية لكسب الرضا الدولي، وظن النظام الرسمي العربي أنه قادر على تجنيد القوى الدولية الكبرى كمرتزقة لحمايته من أي خطر إيراني مستقبلي، كما حصل عام 1991 بالعدوان الثلاثيني على العراق، وما عرفوا أن أي تدخل خارجي محكوم بحسابات الأمن القومي لتلك القوى الدولية.

إيران تعرف أنها ستحركُ إن أرادت، كل هذه الأدوات الرخيصة من دون أن تتحمل التبعات القانونية من وراء أي عمل ارهابي قد تتعرض له المنطقة وطرق المواصلات الدولية ومصالح الدول الكبرى.

لعل أخطر ما في القمع الراهن والمتواصل في العراق أنه إرهاب دولة ويمارسه من يمتلك السلطة لإسكات الآخرين، ويلبسه أردية دينية مستنداً على أمرين الأول أن المجتمعات التي تعاني من الإرهاب الفكري عادة ما تكون مجتمعات متدينة من جانب وتعيش حالة مزرية من التخلف الثقافي والفكري، والثاني أن سلطة القمع ستستطيع تحريك قطعان من البسطاء والسذج والجهلة لتقمع بحركتها الطبقة المثقفة المتنورة والواعية.

وإذا كان القمع الديني شاملاً في المجتمعات المنسجمة دينياً ومذهبياً وله آثار مدمرة على الأمن المجتمعي، فإنه سيؤدي إلى حالة من الانقسام الأفقي، أما إذا كانت مجتمعات

غير موحدة عرقياً ومذهبياً، فإن الانشطار سيكون عمودياً ومفضياً إلى التصادم والنزاع المسلح بحكم اصطفاف كل مجموعة سكانية حول نفسها.

ما يحصل في العراق منذ الاحتلال وحتى اليوم هو تطبيق للنموذج الصفوي في فرض التشيّع تدريجياً وبنفس الأسلوب الذي اعتمده إسماعيل الصفوي أي إعمال السيف في رقاب المعاندين، وهو ما أدّى إلى قتل مليون إنسان في فارس وحدها في حينه كما تقول الروايات التاريخية الموثوقة، وما تزال قصص قتلهم والطرق التي اعتمدت في تنفيذها تُروى من قبل المؤرخين بمرارة.

ولكن ما يجري الآن في العراق يكتسب خصوصية تميّزها عن تجربة إسماعيل الصفوي، بسبب ثورة الاتصالات وانتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي ووجود منظمات حقوقية وإنسانية ومنظمات سياسية دولية مهمتها حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولكن هذه الممارسات المسكوت عنها دولياً أغرت منفذيها بالمضي قدماً في تنفيذها، بدلاً من أن تكون تلك الجرائم سبباً في تأجيج الغضب العالمي على الجناة سواء من قبل أجهزة الإعلام أو المنظمات الدولية والإنسانية أو الدول المتحضرة، فإنها أدت إلى رعب كارثي لضحايا الاعتقال والاختطاف وخوفهم من البطش الطائفي، كما أن الطرف المنفذ للجرائم المبتكرة أي المليشيات الطائفية الولائية المدعومة من إيران والتي اكتسبت صفتها الرسمية بفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها علي السيستاني، وتلقفها مجلس نواب المنطقة الخضراء ليصدرها في قرار آليٍ مضحك خلال فترة قياسية، ثم لتصبح جزءً مما يسمى بالقوات المسلحة المرتبطة شكلاً لا مضموناً بالقائد العام، تحولت إلى كابوس مرعب لكل من يفكر بمعارضة خطط إيران ونواياها، خاصة بعدما كانت تلك المليشيات تصوّر جرائمها التي لم يشهدْ لها تاريخ البشرية مثيلاً وتوزعه على أوسع نطاق متحملة المسؤولية الجنائية الزائفة مقابل زرع الرعب والهلع في بيئة الضحايا وذويهم الذين ما زالت في قلوبهم نزعة الرفض القاطع لدولة الولي الفقيه إيران الشر، وهذا النموذج يراد تعميمه على سائر البلاد العربية، وقد برزت على سطح الأحداث تجارب المآسي التي عاشها المواطنون في سوريا ولبنان واليمن ومناطق في أفريقيا أثناء التطبيق العملي لهذا الفعل المدان وبعد مباشرة التطبيق.

ولكن ما هو المانع من إعلان الحكم الشيعي في العراق رسمياً بعد تطبيقه عملياً في سلوك سلطة الحكم في الدولة العراقية وتطبيقاتها؟ منذ اليوم الأول الذي صار العراق تابعاً لإيران، هي التي ترسم سياساته وتفرض عليه ما يفعل وما لا يفعل؟

ويمكن طرح السؤال السابق بصيغة أخرى، هل أن الحكم الشيعي لم يُعلَنْ فعلاً حتى الآن؟ يجيب الدستور عن السؤالين السابقين وخاصة في ديباجته فينص على ما يلي:

[عرفاناً منّا بحقِ الله علينا، وتلبيةً لنداء وطننا ومواطنينا، واستجابةً لدعوةِ قياداتنا الدينية وقوانا الوطنية وإصرارِ مراجعنا العظام وزعمائنا وسياسيينا، ووسطَ مؤازرةٍ عالمية من أصدقائنا ومحبينا، زحفنا لأول مرةٍ في تاريخنا لصناديق الاقتراع بالملايين، رجالاً ونساءً وشيباً وشباناً في الثلاثين من شهر كانون الثاني من سنة الفين وخمسة ميلادية، مستذكرين مواجع القمع الطائفي من قبل الطغمة المستبدة].

فهل في هذا النص التباس أو شك عن دور ما يسمى بالمراجع العظام الذين يمثلون مذهباً واحداً لشعب متعدد الأديان والأعراق والمذاهب؟ ومن الذي امتلك تفويضاً لتسليط مذهب واحد ليحكم باسم الدستور بلداً بمكانة العراق وتاريخه وحضارته؟ ومن هو الذي منحهم سلطة التدخل في الشأن العراقي وليس فيهم شخص عراقي واحد؟ أليست هذه طائفية مبكرة في إعلان العراق دولة شيعية؟

أليست هذه لغة الغالب والمغلوب في مواجهة غير متكافئة بين الشعب العراقي وقوى الشر والعدوان الأطلسية؟

تم الجزء الأول بعون الله

http://online.anyflip.com/uajdr/dzlu/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *