غياب المشروع العربي وحضور المشاريع الأخرى.

د. أحمد قايد الصايدي

إذا ما نظرنا إلى وضعنا الحالي، فسنرى قوى إقليمية ودولية تتنافس وتتصارع على ساحة الوطن العربي كله. وستصدمنا حقيقة أن الغائب في هذا الصراع هو صاحب الشأن، أي الشعب العربي، المستهدفة أرضه وثرواته واستقلاله وحاضره ومستقبله. فهو ضائع في هذه المعمعة، تائه بين الخنادق المتجابهة، لا يهتدي إلى خندقه الخاص به، مفتقر إلى القيادة السياسية الناضجة، التي لم تفقد بوصلة التوجه. وسيبقى هذا حاله، طالما بقي المشروع العربي غائباً، والحركة السياسية العربية الحاملة للمشروع غير فاعلة، والنخب الثقافية العربية موزعة الولاءات، وبعضها مخترق. وفي هذه الحالة من الضياع، يُخشى أن تتمكن المشاريع الأخرى، وعلى رأسها المشروع الأمريكي الصهيوني، من دفن المشروع العربي والتمدد على الأرض العربية والقضاء على أحلامنا في الوحدة والنهوض الشامل.   

ولا شك في أن من أبرز أسباب الضياع، انعدام الرؤية الاستراتيجية، التي توجه تحركنا السياسي وتضبط إيقاع عملنا، وتمكننا من التمييز بين الأعداء والأصدقاء، كما تمكننا من أن نميز بين أعدائنا، فنحدد من بينهم العدو الرئيسي، ونميزه عن الأعداء الثانويين، ونحشد طاقاتنا وقدراتنا المقاومة باتجاهه، ونتحاشى الوقوع في خطيئة التحالف معه، أو مهادنته. ونحدد أعداءنا الثانويين، الذين يمكن أن نتوافق معهم مرحلياً على قواسم مشتركة، نبني عليها تحالفاً واسعاً، نوجهه باتجاه العدو الرئيسي، ونؤجل صراعنا معهم حتى يزول خطر العدو الرئيسي.

ومن الأخطاء الخطرة، التي قد تقع فيها الحركات السياسية، عدم إدراك الواقع إدراكاً سليماً، والانسياق إلى تقييمات مبنية على الوهم، محكومة بالعاطفة وردود الأفعال الآنية، لا يحكمها العقل ولا توجهها رؤية استراتيجية بعيدة. الأمر الذي قد يجعلها ترى العدو الرئيسي عدواً ثانوياً، والعدو الثانوي عدواً رئيسياً.

وهذا الاستبدال غير الناضج، أي وضع العدو الثانوي في موضع العدو الرئيسي، والعدو الرئيسي في موضع العدو الثانوي هو من أفدح الأخطاء، التي يمكن أن تقع فيها الحركة السياسية في أي بلد، وأكثرها خطورة. فعدم القدرة على تصنيف الأعداء، وعدم التدرج في الصراع معهم، بدءاً بالأخطر، فالخطير، فالأقل خطورة، يؤدي إلى تشتيت الجهود وتبديد الطاقات، وإضعاف المقاومة، وحشد قوى الأعداء وتضافرهم، وبالتالي يؤدي إلى هزيمة الحركة السياسية وإلحاق الضرر بمشروعها.

وقد حذر ثوار الصين، بقيادة ماو تسي تونج، حذروا من الوقوع في هذا الخطأ الفادح. وبين ماو خطورة هذا الاستبدال في دراسة، كرسها للتمييز بين العدو الرئيسي، في مرحلة تاريخية معينة، وبين الأعداء الثانويين. وواجه ثوار الصين امتحاناً عسيراً، لمدى وعيهم وإدراكهم لهذا التمييز، ومدى قدرتهم على التعامل مع الواقع الماثل أمامهم، تعاملاً ناضجاً ومسؤولاً. وذلك عندما غزا اليابانيون أجزاءً من الأراضي الصينية. وكان ثوار الصين يخوضون في تلك الأثناء حرباً طاحنة، مع ألد أعدائهم المحليين، المتمثلين بحزب الكومنتانج، بقيادة تشانج كاي شك. لم يحاولوا أن يضعوا أيديهم في أيدي الأعداء الخارجيين، للاستقواء بهم على أعدائهم المحليين، من أبناء الصين. بل أوقفوا حربهم الداخلية، ورفعوا شعار (فلنوحد جميع القوى المناهضة لليابان)، دون أن ينسوا معركتهم مع القوى المعادية للثورة في الداخل، بل جمدوها مؤقتاً، ووجهوا أسلحتهم وأسلحتها لمواجهة العدو الخارجي، حتى دحروه. وبعد ذلك عادوا ليحسموا معركتهم الداخلية. كان ثوار الصين أوفياء لأفكارهم وتنظيراتهم، ولم يكونوا من هواة التنظير للتنظير، بل التنظير للاسترشاد والتطبيق. فعندما حان وقت امتحان صلاحية الأفكار على أرض الواقع، لم يترددوا ولم يتشوشوا، بل طبقوها واتخذوها منهجاً للعمل ومرشداً في التعامل مع الواقع وأحواله المتغيرة.  

وإذا كان الثوار الصينيون قد جمدوا حربهم الداخلية، ليتفرغوا لمواجهة العدو الخارجي، بل وتحالفوا مع عدوهم الداخلي، ليوجه الجميع أسلحتهم نحو العدو الخارجي، فإن تحديد الأعداء الخارجيين وتمييزهم، بعضهم عن بعض، ومعرفة من يشكل منهم العدو الرئيسي، في المرحلة الراهنة، هو أمر مهم للغاية. فالأعداء الخارجيون ليسوا في مستوى واحد من الخطورة. ولذا لا بد من تحديد الأخطر من بينهم، ومواجهته، ومحاولة تحييد الأقل خطورة، وحتى الاستعانة به، إذا أمكن ذلك. فمواجهة العدو الخارجي الرئيسي، تقتضي حشد كل القوى الداخلية، والاستعانة بكل قوة خارجية، يمكن الاستعانة بها، وتحييد كل قوة يمكن تحييدها، في هذه المرحلة من الصراع.  

هذه دروس يحسن بنا أن نقرأها، وأن نستفيد منها في معركتنا المصيرية، التي ليست معركة قصيرة وعابرة، بل هي معركة طويلة، تمثل تحدياً وجودياً لأمتنا ولوطننا العربي كله. وسيتوقف على كيفية إدارتنا لها هزيمة كل مشاريع التقسيم والتفتيت والاستحواذ، التي تهدد وجودنا، أو انتصارها علينا، بقاؤنا كأمة واحدة ووطن عربي موحد، أو اندثارنا.

ولنشر هنا إلى أهم المشاريع الدولية والإقليمية، التي تهدد الوجود العربي، إذا بقي الوطن العربي ضعيفاً مشتتاً، تتصارع مكوناته السياسية والاجتماعية فيما بينها، في حروب داخلية عبثية، تحقق أجندات خارجية معروفة. لعلنا من خلال هذه الإشارة نهتدي إلى تحديد واضح للعدو الرئيسي والأعداء الثانويين، الإقليميين والدوليين، في هذه المرحلة التاريخية الصعبة، التي نمر بها:

فعلى المستوى الدولي يتشكل حالياً محور جديد، على رأسه الصين وروسيا الاتحادية. وسيزاحم هذا المحور، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، سيزاحم المحور الأمريكي المتحالف مع الحركة الصهيونية العالمية وبعض دول الغرب الاستعماري. فأي المحورين يمثل في هذه المرحلة التاريخية العدو الرئيسي لأمتنا والخطر الأكبر على مستقبلنا؟ لأسباب عديدة، أظنها واضحة لنا، يمثل المحور الأمريكي الصهيوني وحلفاؤه العدو الرئيسي. فهذا المحور يخطط وينفذ مشروعاً تدميرياً، لم يعد يحرص على إخفائه، بل يتحد ث عنه علناً، وهو تفتيت الوطن العربي وتمزيق شعبه، لينشئ على أنقاضه (الشرق الأوسط الجديد).

وعلى المستوى الإقليمي، هناك ثلاث قوى (إسرائيل وإيران وتركيا)، تتنازع النفوذ، وتزاحم المشروع العربي الغائب (مع أن الغائب لا يزاحم، بل يهال عليه التراب). وترتبط كل قوة من هذه القوى بمحور من المحورين العالميين المذكورين. فأي هذه القوى الاقليمية يمثل في هذه المرحلة التاريخية العدو الرئيسي، الذي يجب مواجهته، وأيها يمثل العدو الثانوي، الذي يمكن تأجيل المواجهة معه؟ سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا. لأن الإجابة عنه ستحدد إلى أين نتجه، وإلى أي مصير سننتهي.

ولكي نصنف أعداءنا تصنيفاً موضوعياً، ونحدد أولويات صراعنا معهم، لا بد من أن نعتمد على مقياس محدد. ولعل المقياس السليم، الذي يمكن الاعتماد عليه في هذه المرحلة التاريخية، هو القضية الفلسطينية ومشروع التفتيت الأمريكي _ الصهيوني في الوطن العربي (مشروع الشرق الأوسط الجديد). فمن يقف في الخندق الأمريكي _ الإسرائيلي أو يقترب منه ومن مشروعه، فهو عدو رئيسي، ومن يقاومه، فهو حليف مرحلي. ولأنه حليف مرحلي، فمن الطبيعي أن نضع في حسباننا أنه قد يصبح عدواً رئيسياً في الغد، نحسب له حسابه، ونهيئ أنفسنا لمواجهته. لأن مواجهة الأعداء جميعهم دفعة واحدة لا يمكن أن ينتهي إلا إلى الخسران. وهذا لا يعني أن لا نضع في اعتبارنا خصوصيات الصراع في كل قطر عربي على حدة. فبعض الأقطار العربية يواجه تحدياً وجودياً من بعض جيرانه (كالعراق واليمن)، يرقى إلى مستوى التحدي العام، الذي يمثله العدو الرئيسي، الذي أشرنا إليه. وهذه حالة قد تحتاج إلى معالجة موضعية خاصة، تستهدف الداء في مكانه، وبحسب ما يشكله من خطر.

إن عدم قدرتنا على تحديد أعدائنا وتصنيفهم والتدرج في مواجهتهم، من الأخطر، فالخطير، فالأقل خطورة، سيجعلنا نواصل السير في متاهات لا نهاية لها. وسيبقينا على ما نحن عليه، من التشتت والتشرذم والتوزع على خنادق ليست خنادقنا، يجابه فيها بعضنا بعضاً، خدمة لمصالح ليست مصالحنا، وفي سبيل قضايا ليست قضايانا.

لقد سعت كل الإمبراطوريات وكل الدول القوية في العالم، وعبر التاريخ، سعت إلى التمدد والتوسع على حساب الدول الضعيفة والشعوب المفككة. وهذا ما فعلته الدول المحيطة بنا أيضاً، عندما امتلكت القوة، وشعرت بمدى ضعفنا وتفرقنا وعجزنا عن الدفاع عن أنفسنا. حدث هذا في كل فترات الضعف، التي مررنا بها، في تاريخنا القديم والوسيط والحديث. ونحن اليوم نمر بحالة ضعف، أبرز معالمها: تفرقنا وتناحرنا وغياب مشروعنا العربي وضعف حامله السياسي والعسكري وعجزنا عن تمييز أعدائنا. مما أغرى الآخرين بنا وشجعهم على فرض مشاريعهم علينا، بل وتسخيرنا لخدمتها. فهل نلوم هؤلاء، على ما يفعلونه بنا؟ هل نلوم من يحاول أن يفرض مشروعه على حسابنا، أم نلوم أنفسنا، لتفريطنا بمشروعنا وتجنيد أنفسنا لخدمة أعدائنا؟ هل نلوم من وجدوا فراغاً، فتسابقوا إلى ملئه، أم نلوم من تسبب في هذا الفراغ وعجز عن ملئه، فأخلى ساحته للآخرين ليعبثوا بها، وقصر في الدفاع عنها، وأخفق في إدارة معركته، إدارة سياسية وعسكرية ناضجة ومؤثرة؟.

15 سبتمبر 2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *