الاستعداد الذي سيأتي!


صلاح المختار
اذا وضعنا انفسنا مكان من يقرر سواء كان اقليميا او دوليا فسنرى الاتي :
1- يشهد العراق محاولة امريكية منفردة لاحكام قبضتها عليه بمواصلة الانتزاع التدريجي له من قبضة اسرائيل الشرقية، فقد انتهت مهمتها الاساسية في العراق وهي اكمال عملية تدميره وهو الهدف الحقيقي لغزو العراق فأمريكا تريد عراقا مفككا جاهزا للتقسيم في اي لحظة، لقد عجزت امريكا عن تحمل تكاليف معركتها مع المقاومة العراقية والتي كانت قدراتها هائلة وفوق تخيلها، فلم يعد لها من خيار الا توكيل نظام الملالي كي يكمل مهمة تدمير العراق و(اعادته لعصر ماقبل الصناعة) وهو موقف رسمي اعلنه جيمس بيكر وزير خارجية امريكا قبل الحرب.مهمة نظام الملالي الاساسية هي تفتيت اللحمة الوطنية واحلال الهويات الفرعية مثل الطائفية محلها كي تحرق الاخضر واليابس في العراق ولا تتركه الا خرابا شاملا لنفوس البشر وللدولة والمجتمع ، وتم ذلك بصورة عامة وحان وقت انهاء التوكيل الامريكي لاسرائيل الشرقية . ولكن الوكيل كان قد خطط للحلول محل امريكا في الغزو لذلك ذهب بعيدا في تغلغله وزرع ميليشياته وعبئها للضغط على امريكا كي تترك العراق له، ولكن حسابات الملالي خاطئة وتجري عمليات الخنق التدريجي لهم ولخططهم.
2- تقوم امريكا بدعم حكومة الكاظمي الانتقالية والتي تعرف انها عاجزة عن انجاز المهمة لكنها قادرة على تحقيق هدف جوهري وهو تنبيه القوى السياسية خصوصا الميليشيات لواقع ان زمنها انتهى وان الحكومة فقط ستتولى حمل السلاح ، وكل ما يجري من كر وفر الان هو عبارة عن تمارين اخضاع متدرجة، وتؤكد المعلومات المتتالية انه تم تجنيد الكثير من قادتها واصبحوا الان موالين سرا لامريكا وسوف يعلنون موقفهم الحقيقي بالتدريج كي تستثمر نتائج الصدمات المتعاقبة وتؤدي الى السيطرة السلمية على الميليشيات ودفعها للعمل في اطار حزبي غير مسلح ضمن عملية سياسية جديدة محسنة .
3- من منظور ستراتيجي امريكا لم تكن ولن تكون ابدا مع تدمير اسرائيل الشرقية كما حصل للعراق ولا اجتثاث ميليشياتها كما فعلت مع البعث والقوى الوطنية الاخرى ، بل ستبقى طهران ذخيرة ستراتيجية اولى للغرب والصهيونية لسبب بسيط وواضح وهو ان من نجح عمليا في اغراق العراق وسوريا واليمن ولبنان وبقية الاقطار العربية بفتن طائفية هو نظام الملالي وليس غيره، بعد ان فشلت اوربا الاستعمارية ثم امريكا واسرائيل الغربية في خلق فتن طائفية رغم ما خصصته من اموال لتفتيت القطر العربي الواحد بعد ترسيخ خرائط سايكس بيكو، نجحت اسرائيل الشرقية نتيجة تماهيها دينيا وطائفيا مع العراق وبقية العرب وتموضعها في نفس المكان معنا ورفعها لشعاراتنا لذلك لم تتضخم المناعة الوطنية ضدها كما تضخمت تجاه الغرب والصهيونية لانهما متموضعان خارج خنادقنا. امريكا تعرف ما تعمل عندما تصر وخصوصا منذ تبني (سياسية الاحتواء المزدوج) في التسعينيات والتي قامت على اخضاع اسرائيل الشرقية بالضغوط وليس بالحرب بينما يجب اسقاط النظام في العراق بكافة الاساليب خصوصا بالحرب الشاملة .
اسرائيل الشرقية كانت وستبقى ذخيرة ستراتيجية لانظير لها بالنسبة للغرب والصهيونية والموقف تجاهها هو ليس تدميرها ولا انهاء دورها بل اعادة احتواءها وضبطها لتبقى تعمل بين سكتين هما خط امريكا والصهيونية.والذي يترتب على ذلك في العراق هو ان يتم الاحتواء باقل ما يكمن من القوة المباشرة .
4-ولكي تتم العملية بأقل الخسائر لابد من تقديم طعم لنظام الملالي يغريه بالتعاون ثم التنازل والاكتفاء بما تلقيه امريكا له من مكاسب، ولهذا فان الميليشيات سوف تتحول الى احزاب منزوعة السلاح وتدمج في العملية السياسية القادمة وتبعد الوجوه المحروقة وتعتمد عناصر جديدة موالية لطهران، وتؤكد المؤشرات ان خامنئي يقاتل من اجل نجاته هو ونخبته لانه يعرف ان لامكان سيقبله في العالم وقبل الشروط الامريكية لكنه يريد ضمانات حمايته مقابل التخلي عن ميليشياته، وهي ما لم تقدمها امريكا له حتى الان .
5-السبب الجوهري لكل ما سبق هو اصل المشكلة، بالنسبة للغرب والصهيونية فان العدو الاخطر لهما هو القومية العربية لانها توحد العرب بغض النظر عن دياناتهم وطوائفهم واثنياتهم، فتلك هويات فرعية تخضع للهوية الوطنية، وهي هوية توحيدية الطابع ،وتلك طبيعة تجعلها رباطا متينا يمنع تشرذم العرب وانقسامهم الى طوائف واعراق وكتل متناحرة ، فالخلافات السياسية في بيئة اللحمة الوطنية تحتمل ويمكن ضبطها ولكن الفتن الطائفية والاثنية صعبة الاحتواء. وهنا مكمن قوة الحركة الوطنية ومصدر ضمانة انها تصد الاختراقات الخارجية خصوصا الصهيونية والغربية والاقليمية. وبناء عليه فان الغرب والصهيونية بحاجة مستمرة لاحتياطي ستراتيجي جاهز للعمل ضد القوى القومية العربية بحماس وحقد متجذرين وهذا الاحتياطي ليس سوى اسرائيل الشرقية ونغولها العرب، فلا يتوهم احد بان امريكا او الصهيونية سوف تتخلى عن اسرائيل الشرقية او نغولها العرب بل هي ستزيل بقع الدم من وجوههم وتؤهلهم للعمل بوجه اخر مقبول.المطلوب امريكيا هو حكومة متعددة القوى تضم القوى الطائفية والاثنية التي يجب ان تبقى،ولكن مع ازالة الكثير من مظاهر فسادها واجرامها لتكون الذخيرة الستراتيجية الجاهزة للتصدي للقومية العربية وقواها التحررية عندما تنهض وهي ستنهض حتما مهما طال الزمن.
6-ومثلما اعتمدت امريكا والصهيونية على اسرائيل الشرقية وغيرها من القوى الاقليمية في تنفيذ خططهما فان نفس هذه القوى تضع موازنا لها وهو القوى الوطنية والتحررية ذاتها،فكما ان ردع القوى الوطنية يمكن تحقيقه بقوة اسرائيل الشرقية فان ردع الطموحات الفارسية والتركية رهن بوجود قوى وطنية محددة الحركة ولكنها موجودة وبذلك تستطيع الصهيونية والغرب ردع كل طرف بمناهضه وخصمه والتوفيق بين كل هذه الاطراف ليتحول العراق الى منطقة صالحة للاستثمار التجاري فلا استثمار بدون الاستقرار السياسي ومنع الصراعات الحادة التي تفسد الاستثمار الرأسمالي والتغلغل الصهيوني.
7-الان وبعد ان دمرت قدرات العرب المادية واستنزفوا نفسيا وتعبوا اجتماعيا تقدر امريكا والصهيونية بانهم بحاجة لعقود طويلة كي يستعيدوا حالتهم الطبيعة والتي تمكنهم من النهوض مجددا وهذا هو محور اهتمام خطط الغرب والصهيونية، وفترة التعافي الطويلة هذه تكفي لاكمال الهيمنة الاسرائيلية الغربية مدعومة بالقوى الاقليمية المختارة للاستمرار في قمع العرب ومنع نهوضهم وهي اسرائيل الشرقية وتركيا واثيوبيا .وهنا نرى الخطوة الاخرى المكملة وهي اقامة النظام الاقليمي الضامن لكل ما تقدم من اهداف اقليمية ودولية تتعلق بالصراع الرئيس لامريكا مع الصين وروسيا. وهذه الخطط لا تكمل بمرحلة ولا بل تحتاج لمراحل متعاقبة في بيئة الاستقرار واجبار القوى المتناقضة قبول اللعبة الامريكية الصهيونية.
ماذا عن لبنان واليمن وليبيا ؟ستطبق نفس الخطة التي تجري عملية تطبيقها في العراق فحزب الله سوف يحول الى حزب سياسي مشارك بالحكم ، وهذا هو جوهر خطة الرئيس الفرنسي ماكرون المدعومة امريكيا ،ولكن بعد تجريده من السلاح تماما مثل الميليشيات العراقية واليمنية. لكي نستطيع النهوض خارج اطارات هذه اللعبة علينا ان نفهم تفاصيلها والياتها فلا مستقبل لنا كعرب من دون فهم ما يجري بصواب ، وعرض الذي سيأتي ليس اكثر من تسليط الضوء على طريقنا لتجنب الالغام المبثوثة فيه .
Almukhtar44@gmail.com
14-8-2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *