مُكَونَاتُ الطَّاقَةِ القَومِيَّةِ الكَامِنَةِ والظَّاهِرَةِ ومُحَرِّكَاتُها فِي يَوْمِ النَّصْرِ العِرَاقِي العَظِيم

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس/ أكاديمي عربي من العراق

توطئة:
تتنافس الأمم والشعوب على تثبيت الدالات الفارقة في إنجازات البناء والتنمية، وفي تأمين مستلزمات الدفاع عن النفس وتحقيق الأمن القومي كضرورة من ضرورات إدامة الكينونة الوطنية والقومية من جهة وإدامة الصيرورة التي تسعى لها الشعوب التي تستشعر بوطأة ما يطوق إمكاناتها الحقيقية ويحجبها عن الظهور لتأخذ مداها الكامل في تنمية الحياة وسعادة الوطن والإنسان.
ويوم الثامن من آب ١٩٨٨ م هو واحد من العلامات الفارقة في حياة العرب الحديثة والمعاصرة، حيث حقق العراق بعد كفاح وقتال بطولي دام ثمان سنوات أول محركات الطاقة الكامنة في أمتنا من جهة القرار ومن ثم من جهة تهيئة مستلزمات جعل القرار يأخذ صيغته التاريخية وكل انعكاسات التاريخ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فأنجزت الأمة دفعة واحدة مهمة عبور الانكسارات والهزائم والعجز وقصور القيادة واجتازت بكفاءة هنات وعثرات تمكين الشعب من لعب دوره الحاسم في صناعة هذا المحرك وتوظيفه لنقل الأمة إلى عصر مجدها الموعود.
ورغم إدراكنا العميق لما نتج من عمل ارتدادي ضد الأمة بعد النصر العراقي الحاسم تجسد في قرار الامبريالية الصهيونية المتكئة على المنهج الطائفي الفارسي والمعتمدة عليه اعتماداً مصيرياً، والذي يوظف ارتدادات ومكنون الغيض الإيراني الناتج عن الهزيمة الماحقة، غير أننا نرى اشعاع يوم النصر العظيم في الشخصية العربية الفردية والجمعية وفي سلوك الأنظمة العربية التي تحاول اخفاء الطاقات العظيمة المعنوية والمادية التي بثها الانتصار العراقي الجبار في سلوكها وعلاقاتها وتوجهاتها التنموية والدفاعية والاحترازية والتحسب في الكثير من القضايا والأحداث.

٨-٨ نِتَاجُ عَقْل ومَنْهَجُ تَفْكِير وعَمَلٌ عَرَبِي مَيْدَانِي مُخْتَلِف:
حين نبحث في سيكولوجية القيادة العراقية ومعطيات ثورة العراق القومية ونحدد سماتها وخواصها المتفردة فنحن لا نقوم بعمل دعائي، بل نقرر ونثبت مسارات جديدة في حياة العرب شهدها العراق وعاشها وخبرها العرب كلهم بل والإنسانية في كل مكان، فانتصار العراق لم يكن وليد صدفة ولا هو ابن تفرد قيادي في الشجاعة والبسالة والإقدام، ولا هو نتاج رحم تفاعلت فيه عوامل الصبر والمطاولة واستثمار النخوة والغيرة الوطنية والقومية وأنجب سعة أفق لم يعتدها النظام العربي وعبقرية في استخدام موارد البلاد استخداماً علمياً تحرسه الأمانة والعفة وشرف الموقف، بل هو ناتج تفاعل لكل هذه العوامل والمثابات، ويضاف لها حضور حق الأمة وشرفها وكرامتها التي هدرها زمن الانحطاط وعوامل التردي، حضورها المتكامل في عقل القيادة العراقية والعقل الجمعي الشعبي العراقي في أول مباهلة ومقاربة يحق لنا وصفها بالانصهار الحياتي في أزمنة العرب التي تلت خبو مجد الدولة العباسية.
لقد صنع نصر العراق العظيم صناعة، ونحت نحتاً كما ينحت على الصخر بأدوات نحات ماهر، وصناعة نصر العراق الوطني – القومي احتاجت إلى استحضار التاريخ وتفعيل روح الأمة التي حملت الرسالات وآخرها رسالة الختم المباركة، والاعتماد التام والمطلق والمؤمن بطاقات الشعب في العراق وفي امتداداته السوقية في كل جغرافية الأمة العربية المجيدة.
نحن حين نقول باختلاف التعامل العقلي والقيادي ودور المهارات في صناعة نصر العراق فلأننا عاصرنا تكتيكات الحرب التي ضمنت تحقيق تفوق الاستراتيج ليس في عمليات الكر الموجع للعدو في قدراته البشرية وماكنة حربة التي يغذيها الكيان الصهيوني، والتراجع خطوة إلى الخلف لكي يقفز الأسد العراقي خطوات عظيمة في لحظة لاحقة وفي بقعة أخرى، ونحن نعرف كيف وظف الاقتصاد في خدمة المعركة، واستثمرت العلاقات العربية والدولية وسجل الزمن في سفر البطولة العراقية فلسفة ومناهج تنويع السلاح ومصادره وتحديثاته في محطات مقننة عبر سنوات الحرب، واتضحت مهارات ومسارات التعامل المجتهد والمبني على التفكير المتقد والأسس العلمية في توجيه ضربات قاصمة لإضعاف العدو وإنهاكه لكي يصير هدفه العدواني خارج أفق نظره بل وينأى يوماً بعد آخر.

٨-٨ وَحَّدَ الأُمَّةَ وعَرَّى الخِيَانَة:
لم يكن العراق يقترض ولا يستلف ولا يطلب عندما تقتضي متطلبات المعركة دعماً خارج قدراته المتاحة وخاصة بعد انتهاء معارك كبيرة في الحرب، يتوجب تعويض تضحياتها، وتسد الثغرات في جبهة المواجهة الطويلة، بل كان يأتي المدد البشري والمادي تلقائياً من أقطار الأمة.
نحن نقرر هنا أن يوم الثامن من آب كان عراقياً في روحه وفي مفردات صناعته الإعجازية غير أنه كان أيضاً قومياً عربياً بمسارين:
الأول: هو انتماء قيادة العراق والجهد المقاتل منه وهو جل شعب العراق فكرياً -عقائدياً-عملياً ونظرياً إلى الأمة، كان العراق يتحدث ويقاتل وينتصر كبقعة محررة من جغرافية العرب الواحدة، وزهو تاريخه في أكثر حلقاته ومحطاته وصفحاته إشراقاً.
الثاني: التصرف العراقي المحكم في إشراك الأمة في صناعة النصر وتجنيبها أية عثرة أو تراجع تكتيكي تفرضه الحرب الطويلة، فغرد الشعراء والفنانون وكتب الكتاب وتفاخر السياسيون والأحزاب والمنظمات والنقابات، وهتفت المدارس والجامعات بما يحققه العراق من صمود لا وصف بديل له إلا بالمعجزة لذاته الوطنية وللأمة كلها.
ومع هذا البناء والنسج المحكم لقومية المعركة كانت قادسية العرب أيضاً تفرز الشوائب من جسدها وتقزم حجومها وتعري نفاقها وتحصرها في زوايا خانقة، لقد كان بعض نصر العراق مذ بدأت المعارك التي فرضت على العراق يتحول عفوياً وتلقائياً إلى صفعات قومية تهز خطوات وترعش حراك أطراف من سقطوا في شراك الوهم والخيانة فذابت خيانتهم على وقع صفعات شعبنا العربي في سوريا بشكل خاص وليبيا بزخم متردد فقير القدرة على الافصاح يدين نفسه المتهالكة قبل أن يدينه العرب من المحيط إلى الخليج.
لقد شارك العرب مادياً وبشرياً في صناعة نصر العراق، والمشاركة القومية العربية التي فتحت قيادة العراق لها أبوابها وممكناتها بشطارة وذكاء الفارس القومي المؤمن برزت في جانب آخر استراتيجي هو سد النقص في العمالة ودوائر الدولة العراقية نتيجة مشاركة كل العراقيين في جبهات القتال.
اشتغل ملايين المصريين والسودانيين والأردنيين واللبنانيين والفلسطينيين والمغاربة وغيرهم من العرب في الزراعة وأعمال البناء والوظائف المختلفة لكي يديم العراق نهضته السائرة بموازاة الحرب، وكان في جيش العراق ضباط عرب كبار وفي جامعاته ومراكز بحوثه طلاب علم وعلماء عرب أيضاً.
كانت المشاركة اليمنية متميزة، وملك الأردن حسين رحمه الله زار الجبهات برفقة الشهيد صدام حسين، وكان لدول الخليج دورها في الإسناد المادي، وعلى مستوى تشكيلات الجيش الشعبي كان حضور أبناء كنانة، المصريون، متميزاُ يليهم السودانيون وغيرهم.

يَوْمُ النَّصْرِ العَظِيم تَأْثِيثٌ لِعَهْدٍ عَرَبِي جَدِيد:
سيظل العرب يدرسون سير معارك قادسية صدام سراً وعلناً، حكاماً وشعبً، لقرون قادمة، سيبحث العرب في (أسرار)الانتصار العراقي، وسيصلون إلى نتائج حيوية من بين أبرزها:
أن قيادة العراق قد قاتلت بطاقات شعب العراق، وباعتماد الأمة كلها كظهير ساند قوي، أن قيادة العراق قد انصهرت مع شعب العراق، وخلقت قنوات نفاذ عظيمة إلى البيئة العربية كلها، ونجحت نجاحاً ساحقاً في تكريس الأبعاد الوطنية والقومية للمعارك وللحرب برمتها، هذا الانصهار شكل قوة كامنة وظاهرة خارقة جعلت العراق يتفوق على نفسه قبل أن يسحق عوامل التفوق الإيراني المادية والبشرية الضخمة الهائلة، وسيصل الباحثون العرب إلى نتائج بسيطة غير معقدة مفادها:
أن تشغيل محركات الطاقة الكامنة في شعبنا وأمتنا كفيلة بتحقيق المعجزات عسكرياً وتنموياً.
سيصل العرب، ولو بعد حين، إلى الاحتكام إلى الحقيقة التي ارتكز عليها الرد العراقي على عدوان خميني ألا وهي أن العراق صاحب حق، هو حق الدفاع عن النفس، وانطلاقاً من هذا الحق تم بناء نوع وحجم الرد العراقي الصاعق على عدوان خميني وهو رد صعق خميني وصعق العالم كله لأن خميني والعالم قد أسسوا خلفيات تفكيرهم على عرب يطأطئون الرؤوس ويخنعون ويستسلمون، بل يمدون رقبتهم للجزار، وسيصل العرب أيضاً إلى أن الاقتدار العراقي الممهور بالتضحيات الجسيمة كانت أساساته الإيمان بالحق وشجاعة التعبير عن هذا الإيمان ونتيجة طبيعة لثقة الشعب بالقيادة وبما أنجزته للوطن قبل وأثناء عدوان خميني من عز ورفاهية.
سيصل العرب السائلون والباحثون إلى دور أنوطة الشجاعة في رفع نسب الشجعان وأوسمة التكريم العليا في خلق القيادات العسكرية المبادرة والمنصهرة مع أقدار المعركة التي ترسم بإذن الله في بغداد.

مَنْ بَدَأ الحَرْبَ ومَنْ خَسِرَها أَخْلاقِياً ومَادِيّاً:
لن نكرر المكرر هنا رغم أن تكراره ضرورة تبقى قائمة وحيوية ما دام التبشيع والرياء والكذب والشيطنة تتكرر على لسان الامبريالية بغربها وشرقها وعلى لسان أدواتها عرباً وعجماً، إيران خميني هي من بدأت الحرب، ولدينا آلاف الوثائق تثبت ذلك بما فيها اعترافات مسؤولين إيرانيين كبار يتراوح وصف عناوينهم من رئيس إلى سفير، ومعهم اعترافات عملية لمرتزقة إيران ومجندي مشروعها كزعامات حزب الدعوة وباقي تشكيلات أحزاب التشييع الإيراني، ومع ما يعبر عنه واقع ونتائج غزو العراق سنة ٢٠٠٣ وتفرد الاحتلال الإيراني على العراق بعد تراجع وهروب أميركا المشين سنة ٢٠١١، غير أننا سنبقى نركز على حقائق ما قبل غزو العراق كإثباتات لمن يبحث عن الحقيقة من الأجيال العراقية خصوصاً والعربية عموماً، ونقول هنا:
إن لإيران خميني مشروع استعماري احتلالي للعراق، أرضيته المزعومة المعلنة مذهبية، وحقيقته قومية فارسية بحتة، في الوقت الذي لم يعرف العالم لا من قبل ولا من بعد عن أطماع توسعية احتلالية للعراق، بل إن العرب عموماً قد كبلتهم نتائج الحرب الكونية الثانية في تقسيماتها التجزيئية الغاشمة، وانكفأت أنظمتهم المحلية تعاشر السلطة والمنافع وتتنكر لوحدة الأمة الأزلية، ولم يعد بوسعهم حتى حماية أرضهم وأمنهم.
إن الركون إلى المنطق البحثي العلمي التاريخي والسياسي والاقتصادي يقدم إجابات حاكمة وحاسمة أن الفرس هم من ظلوا يتطلعون إلى بلاد الرافدين منذ أن خسف الله إيوان كسرى ومذ رسم ابن الخطاب، رضوان الله عنه، ملامح جبل النار.

يَوْمُ الأَيَّام نِتَاجُ الاِحتِوَاءِ العَبْقَرِي:
لأول مرة في تاريخ العرب الحديث تقف قيادة الدولة على قدرات احتواء فريدة محلية وإقليمية ودولية، سياسية ودبلوماسية واقتصادية، احتواء نابع من إيمان عميق بالله وبعدالة الموقف العراقي، ويمتزج بتفاعلات صبر ومطاولة، وقدرات اجتياز للعقبات والحواجز والعثرات وتوظيف للتضحيات توظيفاً تاريخياً وطنياً قومياً إنسانياً بما يعزز تقديم المدد الشعبي للمزيد منها لتبث العافية في جسد العراق وتديم نسغ محركات صناعة طاقة الوعد القادم، وعد يوم النصر العظيم.
تمكن العراق بكفاءة أيضاً من احتواء الإعلام المعادي وتهميش المواقف المعادية التي حاولت توظيف الحرب لإسقاط الدولة العراقية.
واحتوى غدر الغادرين وغلاسة المتخفين خلف وجوه صفراء.
احتوى العراق ملامة اللائمين وتقريع المتصيدين لخلق الاحباط وبث روح اليأس مع تقادم زمن العدوان.
احتوى العراق أصوات النواقيس القارعة في كثير عواصم وشركات تجارة تراهن على عجز العرب عن غلبة العقيدة الفارسية المؤمنة بالموت والتي تستخدم الإنسان دون وازع ليقدم آلاف الآلاف أرواحهم لفتح حقل ألغام صغير أو لتحقيق موطئ قدم في شبر من الأرض يبني عليه جبالاً من الأوهام الطالعة من كبرياء فارغ هو تعجرف أهوج.
لقد كان عنصر الاحتواء عند شعب العراق وقيادته كمثل شلال لا يخف هديره للحظات حتى يعود وكأنه طاقة الكون برمته في صورة شعب قرر أن ينتصر على الطاغوت ويكسر ناب الثعبان الفارسي الذي يأبى إلا أن يغرسها في جسد العراق ليلغي وجوده ويسحق شعبه ويدوس كرامته.

خاتمة:
لقد صنع العراق نصراً تاريخياً له ولأمته، وانتزعه من بين أدوات العدوان الإيرانية ومن ساند إيران من قوى ودول كبرى وعظمى وتابعة للقرار والموقف الصهيوني.
صنع العراق النصر وثبت أركانه بقوة تفاعل غير مسبوق بين الشعب والقوات المسلحة والقيادة وحزب البعث العربي الاشتراكي المزروع عقيدة وطنية وقومية مقدسة في كل بيت عراقي.
وصنعه باقتدار المؤمن الصلب الثابت على توفير متطلباته من الموارد البشرية وموارد السلاح وإدارة العمليات وتجديد القدرات وبعث الطاقات والحوافز الوطنية والقومية.
وكان يوم الثامن من آب بداية انتقال أعداء العراق والأمة إلى استراتيجيات مختلفة لقهر الثورة والإنسان في العراق، وتوالت المحاولات، وتوالى الانتصار العراقي عليها حتى أرغموا على تجييش الجيوش لغزو العراق واحتلاله عام ٢٠٠٣ ظناً منهم أن الغزو والاحتلال سيوقف محركات طاقات النصر الذي صنعه العراق وبثت في كل جسد الأمة، فخاب ظنهم وخسئوا، وها هي مقاومة العراق الباسلة تحرمهم من غفوة عين هانئة ومن لحظة أمان هادئة ومن مساحة استقرار بوسع أظفر طفل عراقي ولدته بطن ماجدة من ظهر فارس عراقي مغوار، فظلوا يدورون في نواعير الفشل لسبعة عشر سنة، وسيظلون كذلك حتى يعود المارد العراقي الأبي الوطني القومي التحرري الوحدوي ليصدر بياناً آخر جديد يكلل هام البيانات ويصنع يوماً آخر يعانق يوم الأيام، ونصراً سيكون له وقع الزلازل يحرر فلسطين ويوحد الأمة ويعيد حلم صدر الرسالة ويؤكد وإلى الأبد أن لا كسرى بعد كسرى الأول ولا إيوان بعد أن انشق ذاك الإيوان وولى غابراً لا يذكر إلا باللعنات.

نشره مكتب الثقافة والإعلام القومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *