الدَّوْلَةُ والمِلِيشْيَاتُ ضِدَّانِ لا يَلْتَقِيَان!

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس/ أكاديمي عربي من العراق

تأسست المليشيات في العراق بعد غزوه واحتلاله عام ٢٠٠٣ م، أي تحت ظروف انعدام سلطة القانون وحل الجيش العراقي ودخول عشرات الأحزاب من خارج العراق والشروع بتأسيس أحزاب أخرى متوافقة مع العملية السياسية الاحتلالية.

 كذلك انطلق وجود المليشيات في العراق مقترناً اقتراناً عضوياً بالطائفية السياسية، وببدء دخول إيران كدولة محتلة للعراق مع الغزو الغاشم، ويمكننا تلخيص أهداف المليشيات في العراق بالآتي:

١-حماية السلطة الطائفية المهيمنة على العملية السياسية الاحتلالية.

٢-حماية الأحزاب الطائفية.

٣-تشكيل قواعد وروافع للمشروع الاحتلالي التوسعي الاستيطاني الإيراني.

٤-تنفيذ مهام خاصة خارجة عن القانون، كالمتاجرة بالمخدرات وعمليات التهريب المختلفة التي تخدم إيران والمليشيات.

٥-تنفيذ الاغتيالات المطلوبة من قبل الجانب الإيراني ضد الضباط والطيارين والقوى والعناصر الوطنية السياسية والعلمية والاجتماعية.

هذه الأهداف تتعارض طبعاً تعارضاً تاماً مع سلطة الدولة، أية دولة، ولا تجد أرضها وبيئتها إلا في غياب القوى الأمنية وسلطة القانون، وحين تؤسس في بيئة وظروف مناسبة فإنها ستعمل على إدامتها، أي إنها ستعمل على إدامة حالة اللادولة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن ما يسمى بالحشد الشعبي هو محض ميليشيات، أياً كانت أهداف تأسيسه، ثم إننا لو أجزنا افتراضاً ضرورته في حالة أو ظرف فإن هذه الضرورة تزول مع زوال ظرفها، لكن الذي حصل في العراق هو الابقاء على الحشد ومحاولة شرعنة وجوده بضمه إلى وزارة الدفاع.

الحشد قوة ميليشياوية بمهام تحددها طبيعة المليشيا وتعريفها، ولا يمكن قط أن تتحول إلى جيش ولا إلى قطعة من قطعات الجيش، وما جرى من تحايل في العراق إن هو إلا ضحك على الذقون للحفاظ على الحشد كقوة ميليشياوية تتستر بشرعية الانتماء إلى وزارة الدفاع.

لا الجيش يقبل بطبيعته وواجباته المعروفة بالحشد ولا الحشد يقبل أن يصير جيشاً، فالأمر هنا ليس مجرد عمل بالنوايا الطيبة بل تخصص وتعريف وواجبات وسياقات.

إن الحديث عن سلطة دولة وحكومة ونظام في بلد فيه ميليشيات هو لهاث وراء سراب وأمنيات كأمنية نفخ قربة مثقوبة، كما أن إلغاء المليشيات لا يجري ولا يمكن أن يتم بإصدار تعليمات ولا توجيهات ولا حتى قوانين لأنها قد تشكلت خارج القانون وتحدياً له وأغراض تأسيسها قائمة.

إنهاء وجود المليشيات شرط لقيام الدولة، وفرض سلطتها الحقيقية، وهذا يتطلب إنهاء قياداتها وغلق مقراتها ومقاتلة واعتقال من يتمرد منها، وما حصل قبل أيام قليلة في بغداد من سيطرة المليشيات على بغداد والمنطقة الخضراء بالدبابات والمدرعات والهمرات والقطعان الإجرامية بعد عملية محدودة وبقرار أمريكي ضد موقع لصناعة الصواريخ ومنصات لإطلاقها يؤكد ما ذهبنا إليه من التعارض والتقاطع التام بين إرادة الدولة ومعانيها الحقيقية وبين الوجود الإجرامي للمليشيات، ولو كان في بغداد إرادة دولة جادة وقوى أمنية تحمي القانون لتم اعتقال من نزلوا إلى الشوارع وتجريدهم من السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف احتراماً لاسم السلطة والحكومة والدولة.

إن فرض القانون على المليشيات هو مهمة أية حكومة في العراق تحترم نفسها وواجباتها، وهذا الفرض لا يتم إلا بإنهاء وجود المليشيات بكل الطرق المتاحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *