ثَوْرَةُ العِشْرِينَ اسقَاطٌ لِفَرَضِيَّاتِ المُحَالِ

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس/ أكاديمي عربي من العراق

يطالعنا كثيرون بمنطق يسمونه التعقل أو فهم التوازنات وحسابات القوى ومراكز الارتكاز، ويجعلون منها سياطاً يجلدون بها ظهور الرجال الذين يقدمون على إدارة الصراع من منطلقات لا تلغي حسابات الضرورة، لكنها لا تجعل منها قيوداً تحبسهم في غرف الاذلال والعبودية، ولا تلغي إرادتهم الحرة في التصدي للعدوان.

إن حراسة البيت والوطن سيان، وكلاهما يناظران استعداد العذراء الحرة أن تموت ولا ينال غاشم من عفتها.

الرجال والقادة يستحضرون كل الحسابات، ويرون بأم عيونهم فوارق القوة المادية لكنهم لا يخضعون، لأن سيادة الوطن مثلها مثل الإيمان بالله، لا يمكن أن تحصر في الماديات ولو كانت كذلك لما آمنا بآيات الله التي فيها مدد بلا حساب ونصر لقلة تحققه على كثرة، ولا سمعنا عن ثورة شعب على حصون الملوك المحصنة.

ثورة العشرين العراقية الشعبية المجيدة تنتمي إلى معادلة التحدي، ورجالها يعرفون ويرون قوة الغزاة الانجليز بأم أعينهم، تتمثل بأسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، وجيوش معدة لمهمات الاحتلال وحروب المدن والأحراش، أعداد كبيرة، غير أن هذا التأهيل والتسليح لم يمنع شعب العراق من تفجير ثورته ومقارعة القوة الغاشمة بالإيمان بالله وبالوطن، طبقاً لحسابات معنوية إيمانية تقترن بالشجاعة والبسالة والإقدام.

ثوار العشرين لم يفكروا بقوة العدو، بل استحضروا عميق إيمانهم بعون الله وإسناده ومدده، فصنع النصر في صدورهم قبل أن يتجسد على الأرض، لقد استرخصوا الأرواح فأنشدوا:

(نموت عشرة …. نموت مية …. أني قافل على القضية)

ونحن سمعناهم يتغزلون بالشهادة واسترخاص الدم من أجل عذرية الأرض وطهارة الوطن وكرامة الشعب، من يظن أن هتافات ساحات ثورة تشرين جديدة مبتكرة فهو واهم! فشباب ثورة تشرين استقوها من أفواه الآباء والأجداد، وهم يسخرون من رصاص سلطة الاحتلال الإيراني الأمريكي المركب.

ثورتا العشرين وتشرين لم تحسبا حسابات المستحيل، ولن تحسباها، فالمستحيل لا تقرره الدبابات والمدرعات والبوارج والصواريخ التي تحداها العراق لسنوات طوال لكي لا يخدش حياء الرجال بخيانة واجب الدفاع عن الوطن، المستحيل هو قانون المرتجفين الخائفين اللائذين بحمى التعلل بسطوة القوة، أما الشجعان أصحاب القضية، حملة رايات الحق، فالمستحيل عندهم هو أن يسكتوا على ضيم وضر يمس الوطن والشعب.

ثورتا العشرين وتشرين تحدي للمحال، وانتصار لحسابات قوة الإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *