السَّابِعُ مِن حُزَيرَان…. تَاريخٌ يُجَسِّدُ العَلَاقَةَ العُضْوِيَّة بَيْنَ إِيرانَ المَجُوسِيَّة والكَيَانِ الصُّهْيونِي.

ناصر الحريري

ترددتُ كثيراً قبل الخوض في تجربة الكتابة عن قصف المفاعل النووي العراقي، في السابع من يونيو/حزيران 1981، ولم يكن التردد لشحٍّ في المعلومات ولا لعدم القدرة على إعطاء الحدث حقه، وإنما كان ترددي خوفاً ألَّا أعطي صاحب القرار حقَّه، الذي كان يعمل جاهداً أن يتوج العراق ليكون ضمن الكبار في (النادي النووي)، إنه الخالد فينا أبداً، شهيد الحج الأكبر الرئيس صدام حسين.

حين كتبنا سابقاً، أن صدام حسين كان قائداً استثنائياً، وعقلاً منفتحاً على العصر وعلومه وتكنولوجيته لم نكن نبالغ في ذلك، لأن عصره شهدَ (جيشاً من العلماء) لم تشهد المنطقة العربية والإقليمية مثيلاً له، لأنه أيقن خلال كل مراحل نضاله بأن العلم هو أساس بناء الأوطان وتقدمها ونهضتها، فكان الشهيد صدام حسين هو الدافعُ والمحرض الأول لأبناء العراق كي ينالوا أعلى الشهادات، وفي كل التخصصات، ومن أرقى جامعات العالم.

باشر صدام حسين بنفسه مفاوضات شاقة وصعبة مع فرنسا لتساعد العراق في بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية الإنسانية، وبالرغم من أن المفاوضات كانت شاقة وطويلة ومتعبة إلا أنه حصل في نهاية المطاف على ما يريده للعراق، فباشر العراق بناء مفاعله النووي بإشراف فرنسي، وبخبرات عراقية وعربية خالصة.

لقد شكل بناء المفاعل النووي العراقي ضربة قوية لأعداء الأمة غربها وشرقها، لأن العراق كان يعتبر أن المفاعل النووي ليس للعراق فحسب، بل هو للأمة العربية وللإنسانية، ولهذا اعتبر الكيان الصهيوني والنظام الفارسي أنه يشكل تهديداً قوياً ومباشراً لهما، لأن ذلك يمنح العراق القدرةَ على التطور والنهوض والمواجهة مع قِوى الطغيان والجبروت في العالم.

تقول مجلة The National Interest الأمريكية، في مقالة مذهلة كتبها كل من توم كوبر وفرزاد بيشوب نُشرت في مجلة Air Enthusiast في عام 2004.

كان الكيان الصهيوني في تحالف قائم مع إيران قبل اندلاع الثورة الإيرانية، إذ واصلت تل أبيب ضخ طهران بالأسلحة الحيوية وغيرها من أشكال الأمن خلال الثمانينيات على الرغم من خطب آية الله الخميني المناهضة للكيان الصهيوني. ويعزو ذلك بشكل كبير إلى المخاوف المشتركة للبلدين من الحشد العسكري في العراق خلال عهد صدام حسين.

في عام 1975، نجح العراق في التفاوض على صفقة بقيمة 300 مليون دولار (أي ما يعادل 1.3 مليار دولار بالقيمة الحالية) مع فرنسا لبناء مفاعل من طراز OSIRIS لأبحاث المياه الخفيفة بإجمالي طاقة 40 ميغاواط في العراق، مُنح اسم “أوزيراك”. تضمن هذا المشروع في بناء مفاعلين باسم تموز 1 و2 في منشأة التويثة للأبحاث النووية جنوب بغداد.

صُمم مفاعل أوزوريس لأغراض مدنية، لكنه امتلك المقومات لأن يصبح نقطة انطلاق لكفاءة الأسلحة النووية، على الرغم من أن الخبراء يختلفون حتى يومنا هذا بشأن هذه الوثبة، وإلى أي درجة كانت وشيكة بحق من صناعة أسلحة نووية.

نجح صدام حسين في الضغط على الحكومة الفرنسية لتسليم عشرات الكيلوغرامات من الوقود النووي المخصب بنسبة 93٪ الذي يرقى لصنع الأسلحة النووية، بينما حصل على كيلوغرامات من اليورانيوم من أمريكا الجنوبية ومصادر أخرى.

أزعج المفاعل كلاً من الكيان الصهيوني، الذي لا يزال حتى اليوم الوحيد في الشرق الأوسط الذي يمتلك أسلحة نووية، وإيران، التي تمتلك أطماعاً استعمارية فارسية في العراق، وفي إطار سعيها لوقف البرنامج، قصف عملاء صهاينة قلب مفاعل نووي مكتمل البناء بالقرب من مدينة تولون جنوب فرنسا، في حين طعن عملاء فرنسيون الدكتور يحيى المشد، عالم الفيزياء المصري، حتى الموت في فندق بباريس في 14 يونيو/حزيران عام 1980.

 نجحت تلك الإجراءات في تأخير وليس وقف بناء مفاعل أوزيراك النووي في منشأة ذات قبة مكشوفة، وليس في مجمع محصن تحت سطح الأرض.

في 22 سبتمبر/أيلول لعام 1980، أُرغمَ العراق على خوض حرب واسعة النطاق ضد إيران، رداً على الاستفزازات الإيرانية والاعتداءات المتكررة، فامتدت الحرب لمدة ثماني سنوات دامية على نحو استثنائي.

كان هذا هو السياق الذي بدأ سلاح الجو الإيراني فيه التخطيط لشن هجوم على مفاعل أوزيراك في وقت سابق من يونيو/حزيران آنذاك، بطلب من رئيس الاستخبارات العسكرية للجيش الإسرائيلي، بحسب التقارير. وكان الكيان الصهيوني واحداً مستعداً لتزويد إيران بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية اللازمَة لمحاربة العراقيين، لذا كان يُنظر إلى الغارة على أنها منفعة متبادلة.

استغلت طائرات الفانتوم الإيرانية ظروف الحرب وأسقطت قنابلها على محطة طاقة عراقية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي في بغداد لمدة يومين بحسب مقال كوبر. وفي غضون ذلك، نزل العنصر الأساسي للغارة إلى التويثة وأطلق جميع القنابل الاثني عشر في غضون ثوانٍ قبل أن يعود لقاعدته، وأدى الهجوم إلى اندلاع حريق هائل في المفاعل النووي العراقي.

لقد أشار تقرير استخباراتي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى أن مصدراً سرياً أكد أن “المباني الثانوية وحدها هي التي قصفت”، ورسخت قناعة على نطاق واسع في الغرب أن طيارين إسرائيليين هم من قادوا الغارة في الطائرات الإيرانية.

في 30 نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، عادت طائرة استطلاع فانتوم إيرانية من طراز RF-4 إلى المبنى الذي تم قصفه بسرعة تتجاوز سرعة الصوت، والتقطت صوراً لتقييم آثار الغارة. وفقاً لكوبر وبيشوب، بُعث بالصور الاستخبارية بعد ذلك في صندوق معدني إلى الكيان الصهيوني عبر طائرة بوينغ 707 تُستخدم لتسليم أسلحة إلى طهران.

ساعدت هذه الصور الاستخباراتية، المعززة ببعثات التصوير الاستطلاعي التي تضطلع بها طائرات فانتوم الإسرائيلية، الجيش الإسرائيلي على تصميم نسخة طبق الأصل كاملة للمبنى بغرض التخطيط والتمرن على غارته التي نفذها أخيراً في 7 يونيو/حزيران 1981. إذ انطلقت ثماني طائرات إسرائيلية من طراز فالكون F -16 (الصقر المقاتل)، يرافقها ست طائرات من طراز F-15 إيغل، عبر الأجواء السعودية، وفي أقل من دقيقة، دمرت مقاتلات إيغل مفاعل أوزيراك بقنابل مارك 84 الضخمة التي تزن 2000 رطل، مما أسفر عن مقتل تسعة عراقيين ومهندس فرنسي.

إن قصف وتدمير المفاعل النووي العراقي كان مصلحة إيرانية صهيونية امبريالية، ويوضح بشكل لا يقبل الشك التعاون الجلي والواضح بين الكيان الصهيوني وإيران، وأن هناك تنسيقاً مخابراتياً عالي المستوى بين الطرفين، والذي توَّجه الكيان الصهيوني بإمداد إيران بالسلاح والذخيرة وقطع الغيار خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهو الذي أكده الصهاينة أنفسهم.

ثمة مفارقة هنا، فبعد أن تولت إيران الريادة مع الكيان الصهيوني في الهجمة الاستباقية التي استهدفت محطات الأبحاث النووية لدولة أخرى، أصبح من حق إيران امتلاك برنامج نووي شامل، هذا الحق الذي منحها إياه التنسيق والتعاون والتفاهمات بينها وبين الكيان الصهيوني، وما التهديدات التي تصدر من الصهاينة بضرب واستهداف البرنامج النووي الإيراني إلا جعجعة فارغة لا تنتج طحيناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *